التشاؤم وعلاجه في القرآن الكريم

الكاتب: موقع تفسير

تتناول هذه المقالة ظاهرة التشاؤم وآثارها النفسية والسلوكية، وتبرز المنهج القرآني في علاجها من خلال الإيمان بالقضاء والقَدَر، وحُسْن الظنّ بالله، والعلم النافع، والصُّحبة الصالحة، والدعاء، والفأل الحَسَن.

التشاؤم وعلاجه في القرآن الكريم

  يُعَدُّ التشاؤم من الظواهر النفسية والسلوكية التي لازمت الإنسان منذ العصور القديمة، وقد ارتبط ‏في كثير من صُوَرِه بعادات الجاهلية والأمم السابقة، حين كان الناس يربطون وقوع الشرور ‏والمصائب بما يرونه أو يسمعونه من أشخاص أو حيوانات أو أحداث، فيتوهّمون فيها علاماتٍ ‏تُنذر بالمكروه، ويبنون عليها قراراتهم وأفعالهم. ‏

لم يُذكر لفظ (التشاؤم) بصريحه في القرآن الكريم، إلا أن معناه تجلَّى في عدة آيات وضمن سياقات متنوّعة؛ خاصّة عند الحديث عن الطّيَرة وسوء الظنِّ بالله تعالى، والاعتراض على أَقْداره، واليأس من ‏رحمته.‏

وقد جاء الإسلام بإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من الطِّيَرة والتشاؤم، وأقام حياة المؤمن على ‏أصول الإيمان بالله تعالى، والإيمان بقضائه وقَدَره، وحُسْن الظنّ به، والتوكّل عليه، مع الأخذ ‏بالأسباب المشروعة. ‏

ولا شكّ أنّ للتشاؤم آثارًا في حياة الإنسان؛ فهو يُورث اضطراب النَّفْس، وقَلَق القلب، ويُضعف ‏روح المبادرة والإقدام، وقد يدفع صاحبه إلى ترك السعي وتعطيل المصالح، انتظارًا لما يتوهّمه من ‏الشّر، كما أنه يفتح باب الوساوس، ويجعل الإنسان أسيرًا للخوف والتوقّعات السلبية، حتى يرى ‏في كثير مما حوله علاماتٍ للشؤم، فيضيق صَدْره، وينكد عيشه، ويزداد بُعْدًا عن الطمأنينة التي ‏أرادها الله لعباده المؤمنين.‏

ومن رحمة الله تعالى أنّ القرآن الكريم لم يقتصر على بيان الانحرافات والأخطاء التي يقع فيها ‏الإنسان، بل قدّم أصولًا إيمانية وتربوية تعالجها من جذورها، وتُعيد إلى النفس توازنها وطمأنينتها. ‏

وفي مقدّمة هذه الأصول: الإيمان بالقضاء والقَدَر، وحُسْن الظّن بالله والتوكّل عليه، والعلم النافع، ‏وصحبة الصالحين، واللّجوء إلى الله بالدعاء، واستحضار الفَأْل الحَسَن وانتظار الخير من الله تعالى.‏

ومن هنا تأتي أهمية الوقوف على‎ ‎علاج التشاؤم في القرآن الكريم؛ للكشف عن المنهج القرآني في ‏تحرير الإنسان من الأوهام والمخاوف، وربط قلبه بخالقه، وتقوية يقينه بأنّ ما يجري في الكون إنما ‏يقع بعِلْم الله وحِكْمته وقَدَره، وأنّ المؤمن مأمور بالسعي والأمل وحُسْن التوكّل، لا بالخوف من ‏الأوهام والاستسلام لدواعي التشاؤم. ‏

وفيما يأتي بيان أبرز الأسباب التي تُعِين المسلم على التخلّص من التشاؤم وآثاره، وبناء النَّفْس ‏المؤمنة المطمئنة الواثقة بالله تعالى.‏

أولًا: الإيمان بالقضاء والقَدَر:‏

لا شك أنّ الإيمان بالقضاء والقَدَر ركنٌ من أركان العقيدة الصحيحة، وأصلٌ من أصول الإيمان لا ‏يصح إيمانٌ إلا به، ومعلوم أنّ التشاؤم ينافيه؛ لأنّ فيه اعتراضًا وتسخّطًا على أقدار الله تعالى الجارية ‏على خَلْقه، وأنه لا يقع شيء إلا بقَدَر الله وقضائه ومشيئته، فالمؤمن يجب أن يؤمن بذلك، ‏ويتوكّل على الله تعالى، ولا يردّه شعوره بالتشاؤم عن شيء فإنه لا يضره بشيء، فالأقدار سارية ‏عليه بما قدّرها الله تعالى له من الخير والشر.‏

قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾‏‎ ‎‏[القمر: ٤٩]، أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائقَ إليه، وإن ‏كلّ كائن في هذه الحياة، فهو بتقدير الله وتكوينه على مقتضى الحكمة البالغة والنظام الشامل، ‏وبحسب السنن التي وضعها في الخليقة، ولهذا يَستدِلّ بهذه الآية الكريمة أئمةُ السُّنّة على إثبات قَدَر ‏الله السابق لخَلْقه، وهو عِلْمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها‏.‏

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾‏‎ ‎‏[التغابن: ١١]، قال ابن كثير ‏رحمه الله: «ومن أصابته مصيبة فعَلِم أنها بقضاء الله وقَدَره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، ‏هدى اللهُ قلبَه، وعوّضه عمّا فاته من الدنيا هُدى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان ‏أخذ منه، أو خيرًا منه»‏‏.‏

فمَنْ لا يتشاءم ولا يستجيب لدواعي التشاؤم، ويتوكّل على الله تعالى؛ فإنه ينال أفضل الدرجات ‏وأكملها وأرفعها عند الله تعالى، وهي الجنة.‏

وقد بيّن اللهُ تعالى أثر الإيمان بالقضاء والقَدَر في تخليص العبد من القلق، والحزن، والخوف من ‏حصول المكروه والمصائب والبلايا الناتجة من التشاؤم وغيره، بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ‏فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا ‏تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾‏‎ ‎‏[الحديد: ٢٢-‏‏٢٣].‏

ويتّضح مما تقدّم: أنّ مَن آمن بالقضاء والقدر، وأنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ‏ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كُتِب له، وأن ما يجري من المصائب والبلايا والمحابّ والمكروهات ‏كلّه بقضاء الله وقَدَره، فقد سلم من الوقوع في آفة التشاؤم.‏

ثانيًا: حُسْن الظّن بالله والتوكل عليه:‏

حُسْن الظَّنّ بالله تعالى له أثرٌ كبيرٌ في حياة المؤمن وبعد مماته، فالمؤمن حين يُحسن الظنّ بالله تعالى لا ‏يزال قلبه مطمئنًا، ونفسه راضية بقضاء الله وقَدَره وما يصيبه في السراء والضراء، بخلاف التشاؤم ‏الذي هو سُوء ظنّ بالله -عزّ وجلّ- بغير سبب، والمؤمن مأمور بحُسْن الظنّ بالله تعالى والتوكّل عليه ‏في كلّ أحواله، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ‏لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾‏‎ ‎‏[الطلاق: ٣]، أي: «ومَنْ يَكِل أَمْرَه إلى الله ويفوّض إليه الخلاص منه كفاه ما ‏أهمه في دنياه ودِينه، والمراد بذلك: أنّ العبد يأخذ بالأسباب التي جعلها اللهُ من سننه في هذه الحياة، ‏ويؤدّيها على أمثل الطُّرُق، ثم يَكِلُ أَمْرَه إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى ‏عِلْمها، وليس المراد أن يلقي الأمور على عواهنها، ويترك السعي والعمل ويفوّض الأمر إلى الله ‏تعالى»‏‏‏.

ثم ذكر السبب في وجوب التوكّل عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ‏قَدْرًا﴾‏‎ ‎‏[الطلاق: ٣]، أي: إنّ الله تعالى مُنفذ أحكامه في خَلْقه بما يشاء، وقد جعل لكلّ شيء ‏مقدارًا ووقتًا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء مما كنتَ تؤمّل وترجو، فالأمور مرهونة ‏بأوقاتها، ومقدّرة بمقادير خاصّة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾‏‎ ‎‏[الرعد: ٨]‏‏.

وعلى هذا، فإنّ التوكّل على الله تعالى هو حُسْن الظَّنّ بالله عز وجل، والبُعْد عن التشاؤم الذي من ‏أسبابه سوء الظنّ بالله تعالى وبأقداره السارية على خَلْقه سواء أكانت خيرًا أم شرًّا؛ لأنّ كلّ هذا ‏ينافي إيمان المسلم، ويخلّ بعقيدته وحُسْن عبادته لله تعالى.‏

ولا مانع من أنْ يتوكّل العبد على الله تعالى مع اجتناب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء؛ لقوله تعالى: ‏‏﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾‏‎ ‎‏[البقرة: ١٩٥].‏

إذًا، حسن الظن بالله والتوكل عليه يزيلان من النفس دواعي التشاؤم، وهما من أقوى الأسباب في ‏علاجه، لذا على المسلم أن يثق بالله تعالى ويوقِن أنّ قضاءه عليه ماضٍ، ولا رادّ لقضائه، ولا ‏معقِّب لحُكْمه جلّ وعلا.‏

ثالثًا: العلم النافع:‏

لا شك أنّ الجهل والضلال من أعظم أسباب التشاؤم، والعلم النافع هو علاج له، فما كان ‏التشاؤم عادة من عادات الجاهلية والأمم السالفة إلا بسبب جهلهم وضلالتهم، لذلك عندما جاء ‏الإسلام حثّ على طلب العلم، ومدح اللهُ -سبحانه وتعالى- أهل العلم في آيات كثيرة، وكذلك ‏السُّنّة الشريفة، إِذْ هو من أفضل الأعمال الصالحة، ومن أفضل العبادات وأجلّها، فقد رفع اللهُ تعالى ‏شأن أهل العلم بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا ‏تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].‏

ولم يساوهم أحد في منزلتهم ولا رتبتهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا ‏يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].‏

ودلالة الآيات واضحة في بيان منزلة العِلْم النافع وأهله، فإنه يُخرج الناس من الجهل والضلال إلى ‏النور والمعرفة.‏

ولأهمية العلم في حياة الناس أمر اللهُ تعالى رسوله أن يطلب المزيد منه في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ‏زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].‏

وقال قتادة رحمه الله: «لو كان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام، ولكنه ‏قال للخضر عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]»‏‏.‏

ومَنْ أنعم اللهُ تعالى عليه بالعلم النافع لا يكون إلا متفائلًا، بعيدًا عن التشاؤم، منشرح الصدر، ‏ومُطمئن النفس والقلب، ومؤمنًا بأقدار الله تعالى وما يحصل له في الحاضر والمستقبل، وهذا حال ‏المؤمن؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].‏

ويتضح مما مضى: أن العلم النافع هو نعمة من نِعَم الله تعالى على عباده، وعلاج لكلّ ما يصيب ‏الإنسان من الآفات النفسية والقلبية، بما فيها الاعتقادات الخاطئة كالتشاؤم بالبَشَر والمصائب ‏والبلايا والطير والحيوان والأسماء، وغير ذلك، وكلّها تعود إلى سبب الجهل والضلال.‏

رابعًا: مصاحبة المتفائلين:‏

للصُّحبة الصالحة مكانة عظيمة في القرآن، لما لها من أثر واضح في حياة الإنسان، سواءٌ أكان ذلك في معتقده أم في سلوكه وأفعاله وتوجّهاته، والإنسان ميّال بفطرته إلى مخالطة الآخرين ومصاحبتهم، ومجالستهم ‏والتأثّر بهم.‏

ولعلّ المبتلَى بالتشاؤم أَوْلَى من غيره بمصاحبة المتّقين الأخيار؛ لأنّ مصاحبتهم وملازمتهم ستؤدِّي ‏إلى اكتساب صفاتهم من تقوى وإيمان، ومكارم أخلاق، وتفاؤل وجدّ وإقدام، وحُسْن توكلٍ على ‏الله تعالى في السّراء والضراء، لذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتزام الصادقين في قوله تعالى: ﴿يَا ‏أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].‏

وحثّ على صُحْبة العابدين بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ‏يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ‏ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].‏

ونهى اللهُ تعالى عن صُحْبة الظالمين؛ لما فيها من حسرة وندامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ‏عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * ‏لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩].‏

وجعل كلّ صحبة لا تُبنى على محبة الله تعالى وتقواه مصيرها العداوة، وذلك في قوله تعالى: ‏‏﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].‏

وفي هذه الآيات حثٌّ على صُحبة الصالحين والمتّقين وتجنّب جُلساء السوء، وبما أن التشاؤم عادة ‏سيئة فالأحرى بالمتشائم أنْ يصاحِب المؤمنين الصالحين ليقتدي بإيمانهم وصلاحهم؛ فتنعكس ‏أخلاقهم وأفعالهم وعاداتهم على سلوكه؛ فيجد نفسه قد تخلّص من عاداته السيئة، ومنها التشاؤم.‏

خامسًا: الدعاء:‏

إنّ الدعاء هو الصِّلَة القوية بين الخالق والمخلوق، وهو وقوف العبد بين يدي الله تعالى وسؤاله على ‏وجه الافتقار والعجز والانكسار.‏

لذا فإنّ الإقبال على الله تعالى واللجوء إليه، وكثرة الإلحاح عليه بالدعاء، هو من أفضل الأعمال، ‏وعلاج لكلّ الآفات التي تُصيب المسلم، ومنها: شعوره بالتشاؤم، فلا يمنعه ذلك من التضرّع إلى ‏الله تعالى أن يشرح صدره، وييسّر أمره، ويتجاوز ما يصيبه من دوافع الشؤم بالإيمان وحُسْن ‏التوكّل على الله تعالى في السراء والضراء، ولا يكون كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ‏أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ‏وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢-٤٣].‏

وعلى هذا: يجب على المسلم اللّجوء إلى الله تعالى بالدعاء في اليُسْر والشّدة، والاستعانة به في كلّ ‏الأحوال، مع الاعتقاد بإجابة الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ‏‏٦٠].‏

سادسًا: الفأل الحَسَن:‏

حثّ اللهُ تعالى عبادَه على التفاؤل والبُعْد عن التشاؤم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ‏‏﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ‏يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦].‏

وقد ضرب الأنبياءُ -عليهم الصلاة والسلام- المثل الأعلى في الفأل الحَسَن من خلال قصصهم الواردة ‏في القرآن الكريم، منها: ما جاء في قصة موسى -عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ‏قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١-٦٢]، ‏أي: فلما تناظر الجمعان: جَمْع موسى -عليه السلام- وهم بنو إسرائيل، وجَمْع فرعون وهم القبط، ‏‏(إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، أي: إنا لملحقون، الآن يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا، وذكر أنهم قالوا ‏ذلك لموسى تشاؤمًا بموسى عليه السلام، ولما لحق فرعونُ بجمعه جَمْعَ موسى وقَرب منهم، ورأتْ ‏بنو إسرائيل العدوَّ القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: ‏‏(إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، فردّ عليهم قولهم وزجرهم وذكّرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر وقال: ‏‏(كَلّا) لن تُدْرَكوا (إنّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، أي سيهديني لطريقٍ أنجو فيه من فرعون وقومه‏‏‏.‏

ثم ذكر سبحانه كيف هداه ونجّاه وأهلك أعداءه فقال: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ ‏الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].‏

وكذلك ما حصل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه الصدّيق -رضي الله عنه- في الغار، وذلك في ‏قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ ‏يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ‏الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].‏

وغير ذلك كثير من هذه الوقائع والقصص التي فيها الحثّ على التفاؤل وحُسْن الظّنّ بالله تعالى، ‏والتوكّل عليه في الضّراء والسّراء، وأنّ التفاؤل من صفات المؤمنين والصالحين، خاصة أنبياء الله ‏تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن يتوقّع حصول الخير دائمًا، على عكس المتشائم فإنه ‏يتوقّع حدوث الشّر ووقوعه في الحاضر والمستقبل.‏

خاتمة:‏

وفي ختام الحديث عن علاج التشاؤم في القرآن الكريم، يتبيّن أن القرآن قَدّم وسائل متكاملة ‏لتحرير الإنسان من الأوهام والمخاوف التي تُضْعِف قلبَه وتعطِّل سعيَه؛ فبدأ بتقرير‎ ‎الإيمان بالقضاء ‏والقدر؛ ليوقِن المؤمن أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، ثم دعا إلى‎ ‎حُسْن الظّن بالله والتوكّل عليه؛ ‏ليبقى القلب معلّقًا بربّه واثقًا برحمته وحكمته، وأكّد أهمية‎ ‎العلم النافع‎ ‎في إزالة الجهل والاعتقادات ‏الخاطئة التي تقوم عليها صور التشاؤم، كما أرشد إلى‎ ‎مصاحبة الصالحين والمتفائلين‎ ‎لما للصحبة من ‏أثر في تقويم النفس والسلوك، وحثّ على‎ ‎الدعاء واللجوء إلى الله تعالى‎ ‎طلبًا لطمأنينة القلب ‏وتيسير الأمور، وختم ذلك بالتأكيد على‎ ‎الفأل الحَسَن‎ ‎وحُسْن انتظار الخير من الله تعالى. ‏

وبذلك يظهر أنّ علاج التشاؤم في القرآن يقوم على بناء الإنسان المؤمن الواثق بربه، المطمئن إلى ‏قضائه وقَدَره، الآخذ بالأسباب، السائر في حياته بأمل وتفاؤل وتوكّل.‏

 


  1. ^

     هذه المقالة مستفادة من بحث (التشاؤم) في موسوعة التفسير الموضوعي الصادرة عن مركز تفسير، وقد تصرّفنا فيها بالاختصار ‏والتهذيب والتقديم والتأخير بما يتناسب مع النشر المقالي، مع إعداد مقدمة وخاتمة. (موقع تفسير)

  2. ^

     تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (٧/ ٤٨٢)، تفسير المراغي، (٢٧/ ١٠١).‏

  3. ^

     تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (٨/ ١٣٧).‏

  4. ^

     تفسير المراغي، (٢٨/ ١٤١).‏

  5. ^

     تفسير المراغي، (٢٨/ ١٤٢).‏

  6. ^

     جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، (١/ ٤١٨).‏

  7. ^

     انظر: جامع البيان، الطبري، (١٩/ ٣٥٥- ٣٥٦)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (١٣/ ١٠٦).‏

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24873