الكاتب: موقع تفسير
يتناول هذا المقال أنواع العلاقات الاجتماعية في ضوء القرآن الكريم، مستعرضًا توجيهاته في بناء العلاقات الأسرية، والروابط المجتمعية، والأخوّة الإيمانية، والتعامل مع غير المسلمين، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأُسُس تنظيمها بالعدل والإحسان.
أنواع العلاقات الاجتماعية في ضوء القرآن الكريم
تُعَدّ العلاقات الاجتماعية من المقوّمات الأساسية في حياة الإنسان؛ إِذْ لا يعيش الفرد بمعزل عن غيره، وإنما تتشكّل حياته من خلال صِلَتِه بأُسرته وأقاربه ومجتمعه، وما ينشأ عن هذه الصِّلَات من حقوق وواجبات متبادلة.
ويترتّب على استقامة هذه العلاقات وتوازنها صلاح المجتمع وتماسكه، كما يؤدي اضطرابها إلى انتشار النزاع والتفكّك وضعف الروابط بين أفراده.
وقد أَوْلَى القرآنُ الكريم العلاقات الاجتماعية عنايةً ظاهرة، فتناوَل صورًا متعدّدة منها، وربط تنظيمها بإصلاح الإنسان والمجتمع؛ فبيَّن ما يتعلّق بعلاقة الإنسان بأُسْرَته وأقاربه، ونَظّم العلاقة بين الزوجين، ووجّه إلى حُسْن التعامل مع الجيران والضيوف وأفراد المجتمع، وأرسى قواعد الأُخوّة بين المؤمنين، وضوابط التعامل مع غير المسلمين، كما تناوَل العلاقة بين الحاكم والمحكوم وما تقوم عليه من حقوق وواجبات.
وتكشف هذه التوجيهات عن تنوّع دوائر العلاقات الاجتماعية التي تناوَلها القرآن الكريم، وتعدُّد الأحكام والآداب المرتبطة بها؛ من تقرير الحقوق والحثّ على الإحسان، إلى النهي عن الظُّلْم والقطيعة والعدوان.
ومن هنا يأتي هذا المقال لبيان أنواع العلاقات الاجتماعية في ضوء القرآن الكريم، من خلال تتبّع أبرز صورها، وبيان أهمّ التوجيهات القرآنية المنظِّمة لها.
أولًا: العلاقات الأُسرية:
تقوم العلاقات الأُسرية في القرآن على جُمْلة من الروابط التي تحفظ كيان الأسرة، وتحقّق استقرارها وتماسكها، وبيان ذلك على النحو الآتي:
1. الأسرة نواة المجتمع:
تعتبر الأسرة نواة المجتمع وركيزته الأساسية، يصلح بصلاحها وتماسكها، ويفسد بتفكّكها وانحلالها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، أي: أيها الناس، احذروا ربَّكم في أن تخالفوه فيما أمَركم وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به؛ فإنه المتوحِّد بخَلْق جميع الأنام من شخص واحد، معرِّفًا عبادَه كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النَّفْس الواحدة، ومنبّههم بذلك على أنّ جميعهم بنو رَجُل واحد وأُمّ واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأنّ حقّ بعضهم على بعض واجبٌ وجوب حقّ الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النَّسَب إلى أب واحد وأُمّ واحدة، وأنّ الذي يلزمهم من رعاية بعضهم بعضًا -وإِنْ بَعُدَ التلاقي في النّسب إلى الأب الجامع بينهم- مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض؛ ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقّه بالمعروف على ما ألزمه الله له.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54]، أي: خلقَ الإنسان من نطفة ضعيفة، فسوّاه وعدله، وجعله كامل الخِلْقة، ذكرًا أو أنثى، كما يشاء، فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أَمْرِه ولد نسيب، ثم يتزوّج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأَختان وقرابات، وكلّ ذلك من ماء مهين.
2. العلاقة الزوجية:
إنّ العلاقة الزوجية في الإسلام متينة ومهمّة؛ لأنها تُبنى على ميثاق أخذَه اللهُ -عز وجل- على الرجال والنساء، كما أخذَته النساء على الرجال، فإنّ الله تعالى قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]، أي: إنّ المرأة قد أخذَت هذا الميثاق الغليظ على هذا الرجل، وهذا الميثاق الغليظ تجب المحافظة عليه، وحينئذٍ فإن للعلاقات الزوجية شروطها وآدابها؛ لتكون هذه العلاقة وثيقة ومتينة، فتُبنى العلاقات الزوجية على المودّة والرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]، أي: ومِن آياته الدالّة على قُدرته ورحمته أَنْ خَلَقَ النساء لكم من جنس الرجال، وجعل بَدْءَ خَلْق المرأة من جسدِ الرجل؛ ليتحقّق الوفاق ويكتمل الأُنس، وجعل بين الجنسين المودّة -أي: المحبّة- والرحمة -أي: الشفقة-؛ ليتعاون الجنسان على أعباء الحياة، وتدوم الأسرة على أقوى أساس وأتمّ نظام، ويتم السّكَن والاطمئنان والراحة والهدوء؛ فإنّ الرجل يمسك المرأة ويتعلّق بها إمّا لمحبته لها، أو لرحمةٍ بها بأن يكون لها منه وَلد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للأُلفة بينهما، وغير ذلك.
وأخبرَ تعالى عن مِنّته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقرّ بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: 72].
ومن أجلِ تحقيق السَّكَن والمودّة بين الزوجين أمَرَ اللهُ النساءَ أن يلتزِمْنَ البيوت ليتفرّغْنَ لوظيفتهنّ الأسمَى، ألَا وهي رعاية الزوج والأولاد، فقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33].
وقد جعل الإسلام للمرأة حقوقًا على الزوج كما جعل للزوج على المرأة حقوقًا، فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228]، أي: لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهن، فيُحْسِن عِشْرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي كذلك، تُـحْسِن عِشْرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلْنَه لأزواجهنّ من طاعةٍ وتزيُّنٍ وتحبُّبٍ، ونحو ذلك، وللرجال عليهنّ مَنزلة ليست لهنّ، وهي قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره، والوقوف عند رضاه.
ومِن حُسْن العشرة أن يصبر الزوج على زوجه، وأن لا يظلمها فيأكل مالها، أو يطلّقها لأتفه الأسباب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
وحين تُفْقَد المودّة وتُفْقَد الرحمة بين الزوجين وتتعسّر الحياة فهنا يأتي دور الحَكَمَين، كما قال -عز وجل-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35].
فإِنْ وصَلَت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلّا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأَيَا أن التفريق بينهما أصلح، فرَّقَا بينهما، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130].
3. العلاقة مع الأقارب:
إنَّ من العلاقات الاجتماعية التي تناوَلها القرآن صِلَةَ الرحم، والمراد بصِلَة الرحم: القرابة غير الوالدين، ولهم حقٌّ كبيرٌ أيضًا في الإسلام؛ ولذلك فإنّ الله تعالى لعَنَ الذين يقطعون الرحم، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22- 23]، وأُولو الأرحام: هم أصحاب القرابة، جمعُ رَحِم، وأصله رَحِم المرأة الذي هو موضع تكوين الوَلَد من بطنها، ويسمّى به الأقارب؛ لأنهم في الغالب من رَحِمٍ واحد.
ولقد حثّ المولى -عز وجل- عبادَه المؤمنين على النفقة على الأقارب والمساكين وجعل ذلك سببًا في مغفرة الذنوب، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].
كما حثّ المولى -عز وجل- المؤمنين على الوصية للأقارب الفقراء، وجعلَ ذلك من أوصافِ المتقين، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، ففي هذه الآية شرعَ اللهُ شريعة فيها صلاحُ الأسرة وحفظُ كيانها، وهي شريعة الوصية؛ فعلى مَن ظهرَت أمامَه أَمارات الموت وعلمَ أنه ميّت لا محالة، وكان ذا مال يُعتدّ به؛ أن يجعل من ماله نصيبًا لأقاربه غير الوارثين، وليُراعِ في ذلك ما يَـحْسُن ويُقْبَل في عُرف العقلاء.
ولقد أمر اللهُ بإعطاء ذي القربى الحقّ الذي أوجبه عليهم بسبب القرابة والرّحم في أكثر من آية، كما قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
ثانيًا: العلاقة مع المجتمع:
تقوم العلاقات الاجتماعية في التصوّر القرآني على جُمْلة من الآداب والضوابط التي تحفظ تماسك المجتمع وتوثّق أواصر المودة بين أفراده؛ ومِن أبرزها العلاقة مع الجيران، وآداب التعامل مع الضيوف، ومراعاة التجانس بين الناس؛ وبيان ذلك فيما يأتي:
1- العلاقة مع الجيران:
حقُّ الجيران حقٌّ فرَضَه الإسلام، فجاء الأمر الصريح في القرآن بالإحسان إلى الجار، واقتران حقِّهِ بتوحيد الله -عز وجل- وعدم الشِّرْك به، وهذا من أقوى الأدلة على اهتمام الإسلام بحقوق الجار وتعظيم شأنه، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]، قرَن تعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين في غير موضع من كتابه الكريم؛ لِمَا لهما على الابن من فضلٍ يُعْجِزُه وفاؤه، فقال هنا: واعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شريكًا في الألوهية والعبادة، وأحسِنُوا إلى الوالدين إحسانًا لا تقصير فيه، وإلى أقربائكم وإلى اليتامى، والذين افتقروا بسبب عجزهم أو ذهاب الكوارث بأموالهم، وبالجار القريب النَّسَب والجار الأجنبي والرفيق لك في عمل أو طريق أو جلوس، والمسافر المحتاج الذي لا قرار له في بلد معيّن، وبما مَلَكْتم من الأرقّاء فتيانًا وفتيات، إنّ الله لا يحب مَن كان متعاليًا على الناس، لا تأخذه بهم رحمة، كثير التمدّح بنفسه.
2- العلاقة مع الضيوف:
ومِن العلاقات الاجتماعية في القرآن العلاقة مع الضيوف، فقد جعل الإسلام آدابًا للزيارة ودخول البيوت ينبغي على المسلمين التخلّق بها، منها:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]، أي: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا دُعِيتُم إلى وليمة في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا تدخلوا البيت إلا إذا علمتم أنّ الطعام قد تم نضجه، وانتهى إعداده؛ إِذْ قبل ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم، وقد يلبسنَ ثياب البذلة والعمل، فلا يَـحْسُن أن تروهنّ وهنّ على هذه الحال، كما أنه ربما بدَا من إحداهن ما لا يحلّ النظر إليه، ولكن إذا دعاكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فادخلوا البيت الذي أَذِنَ لكم بدخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دُعِيتُم إلى أكْلِهِ فتفرّقوا واخرجوا ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة؛ فإنّ ذلك اللّبث والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان يؤذِي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يمنعه من قضاء بعض حاجاته، إلى ما فيه من تضييق المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من إخراجِكم ومَنْعِكُم مما يؤذيه، والله لم يترك الحقّ وأمَركم بالخروج. وفي هذا إيماء إلى أنّ اللبث يَـحْرُم على المدعوّ إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك أذى لربّ البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتثقيل مذموم في كلّ مكان، محتقَر لدى كلّ إنسان.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]، يُرشِد الباري عبادَه المؤمنين أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم بغير استئذان، «فبسبب الإخلال به يقع البصر على العورات التي داخل البيوت؛ فإنّ البيت للإنسان في ستر عورة ما وراءه بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده، ومنها: أنّ ذلك يوجب الريبة مِن الداخل، ويُتَّهَم بالشرّ، سرقة أو غيرها؛ لأنّ الدخول خفية يدلّ على الشر، ومنعَ اللهُ المؤمنين من دخول غير بيوتهم حتى يستأذنوا، وسُـمّي الاستئذان استئناسًا؛ لأنّ به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة، وتسلِّموا على أهلها».
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]، أي: قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويكفُّوها عن النظر إلى الأجنبيات غير المحارم، ويحفظوا فروجهم من كلّ منكر؛ كالنظر واللمس والزنى، وقد قدّم تحريم النظر على حفظ الفروج التي هي المقصود الأساسي من الكلام لِـيعلمَ الناسُ جميعًا ما للنظر من خطرٍ وأثرٍ، وأنه رسولُ الشهوة، وبريدُ الزّنى، وبذرة الفسق والفجور. وخَصّ المؤمنين بالذِّكْر؛ لأنهم الممتثلون المنتفعون بهذا. ذلك أزكى لهم وأطهر، وأبعدُ عن الشّك وأنفَى للريبة، وأبقَى للنفس طاهرة زكية بعيدة عن الخطر.
3- العلاقة التجانسية:
لا شكّ أن صفة التجانس والانسجام بين الناس هي وسيلة للتقارب وزيادة المحبة بين الناس، وعامل مساعد في توثيق العلاقات الاجتماعية بين الناس، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: 26]، أي: النساء الزواني الخبيثات للخبيثين من الرجال، والخبيثون الزناة من الرجال للخبيثات من النساء؛ لأنّ اللائق بكلّ واحد ما يشابهه في الأقوال والأفعال، ولأنّ التشابه في الأخلاق والتجانس في الطبائع من مقوّمات الأُلفة ودوام العِشْرة. وعلى هذا يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي: شأن الخبائث من النساء يتزوّجْنَ الخبائث من الرجال، وشأن أهل الطيب من النساء يتزوّجْنَ الطيّبين من الرجال، ويجوز أن يكون المراد من الخبيثات الكلمات التي هي القذف الواقع من أهلِ الإفك، والمعنى: الخبيثات من قولِ أهل الإفك للخبيثين من الرجال، وبالعكس: والطيبات من قولِ منكري الإفك للطيبين من الرجال، وبالعكس.
ثالثًا: العلاقة الدينية:
يؤسّس القرآن الكريم العلاقات الدينية على رابطة الإيمان، التي تجمع المؤمنين بالأُخوّة والتراحم والتناصر، مع تنظيم العلاقة بغير المسلمين؛ وبيان ذلك فيما يأتي:
1) الأخوّة الإيمانية:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]، هذا عقدٌ عَقَدَه اللهُ بين المؤمنين، أنه إذا وجدَ من أيّ شخص كان في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أُخوّة توجب أن يحبّ له المؤمنون ما يحبّون لأنفسهم، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم؛ ولهذا جاء الأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوفاء بحقوق الأُخوّة الإيمانية.
ولقد حثّ المولى -عز وجل- نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- على الرحمة وعدم الغلظة في تعامله مع الآخرين؛ مبينًا أنّ الفظاظة وغِلظة القلب من أكبر العوامل على نفرة الناس مِن حولِه، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]، أي: فبرحمة مِنَ الله لك ولأصحابك -أيها النبي- مَنَّ اللهُ عليك فكنتَ رفيقًا بهم، ولو كنتَ سيّئ الخُلُق قاسِي القلب لانصرف أصحابك مِن حولِك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة أُحُد، واسْأَل اللهَ أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمْتَ على أمرٍ من الأمور -بعد الاستشارة- فامْضِه معتمدًا على الله وحده، إنّ الله يحب المتوكلين عليه.
وفي مقابل الحثّ على الأُخوّة والرحمة التي تُفْضِي إلى تماسك المجتمع وقوّته، حَذَّر المولى -عز وجل- من تقديم محبة القرابة وزخارف الدنيا ومتاعها الزائل على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]، فالإيمان في جانبٍ، والآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والديار في جانبٍ آخر، وعلى المؤمن أن يختار بين الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله وبين أهله وماله ودياره.
وحذَّر المولى -عز وجل- من الفُرقة آمرًا المؤمنين بالوحدة والتمسك بالدين، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].
كما نهَى اللهُ عن السخرية والهمز واللّمز بالمؤمنين والتنابز بالألقاب، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وحذَّر من سوء الظّن والتجسّس والغِيبة؛ لأنها من الكبائر التي حرّمها الله -سبحانه وتعالى- وتتنافى مع الأخوّة الإيمانية، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].
2) العلاقة مع غير المسلمين:
إذا أردنا أن نُـجْمِل تعليمات الإسلام في معاملة المخالفين له -في ضوء ما يحلّ وما يَـحْرُم- فحسْبُنا آيتان من كتاب الله، جديرتان أن تكونَا دستورًا جامعًا في هذا الشأن، وهما قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8- 9]، أي: لا يمنعكم الله من البِرّ والإحسان وفِعْل الخير إلى الكفار الذين سالَمُوكم ولم يقاتلوكم في الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم كالنساء والضَّعَفَة منهم؛ كصِلَة الرحم، ونفع الجار، والضيافة. ولا يمنعكم أيضًا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء ما لهم من الحقّ؛ كالوفاء لهم بالوعد، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة، إنّ الله يحبّ العادلين، ويرضَى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم.
ثم حدّد الله تعالى موضع النهي في المعاملات، فقال: إنما ينهاكم الله عن موالاة هؤلاء الذين عادوكم، وهم صناديد الكفر من قريش وأشباههم ممن هُم حَرْبٌ على المسلمين، وعاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة ومَن دخلَ معهم في عهدهم، ينهاكم اللهُ عن اتخاذهم أولياء وأنصارًا لكم، ويأمركم بمعاداتهم. ثم أكّد الوعيد على موالاتهم، فأبان أنّ مَن يتولهم ويناصرهم، فأولئك الذين ظلموا أنفسهم؛ لأنهم تولّوا من يستحقّ العداوة، لكونه عدوًّا لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولكتابه.
فالآية الأُولى لم ترغِّب في العدل والإقساط فحسب إلى غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدّين ولم يخرجوهم من ديارهم -أي: أولئك الذين لا حرب ولا عداوة بينهم وبين المسلمين- بل رغَّبت الآية في بِرّهم والإحسان إليهم. والبِرّ كلمة جامعة لمعاني الخير والتوسّع فيه، فهو أمرٌ فوق العدل، وهي الكلمة التي يعبّر بها المسلمون عن أوجب الحقوق البشرية عليهم، وذلك هو (برّ الوالدين).
والآية تنفي ما كان عالقًا بالأذهان -وما يزال- أنّ المخالف في الدِّين لا يستحقّ برًّا ولا قِسْطًا، ولا مودّة ولا حُسْن عِشرة. فبيّن اللهُ تعالى أنه لا ينهى المؤمنين عن ذلك مع كلّ المخالفين لهم، بل مع المحاربين لهم العادِين عليهم.
رابعًا: العلاقة بين الحاكم والمحكوم:
تناوَل القرآنُ الكريمُ العلاقةَ بين الحاكم والمحكوم، فبيَّن ما يقوم به الحاكم من أمانة الحُكم والعدل، وما يجب على المحكوم من الطاعة في المعروف، والرجوع إلى شرع الله عند التنازع، ومِن أبرز صور ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 58- 59]، فالآية في كلِّ أمانة، فعلى كلّ مؤتـمَن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤدّيه إلى صاحبه، والآية تتناول حُكّام المسلمين أوّلًا، فعليهم أن يحكموا بالقسط، وهو ضدّ الجور، ومعناه: إيصال الحقوق إلى مستحقِّيها من أفراد الرعايا، واللهُ يريد من أُمّة الإسلام -حُكّامًا ومحكومين- أداء الأمانات والحُكْم بالعدل؛ إِذْ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحُكم بالعدل.
ثم أمَر اللهُ تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله أوّلًا، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيًا، والطاعة لأُولي الأمر مقيَّدة بما كان معروفًا للشّرع، أمّا في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار.
ويجب العدل في الأحكام حتى ولو كان المحكوم عليهم من أقرب الناس للحاكم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135].
ولقد نفَى المولى -عز وجل- صِفَة الإيمان عن الذين يرفضون حُكْم الله، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
ومِن أجملِ مظاهر الحُكم في الإسلام التزامُ مبدأ الشورى بين المسلمين حُكّامًا ومحكُومين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]، بل جاء الأمر الإلهي لنَبِيِّه بالشورى في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
فيتّضح أنّ القرآن الكريم أقام العلاقة بين الحاكم والمحكوم على جملة من المبادئ، في مقدّمتها أداء الأمانة، والحكم بالعدل، والطاعة في المعروف، والرجوع إلى حُكْم الله عند التنازع، واعتماد الشورى في تدبير شؤون الجماعة؛ بما يحقّق التوازن بين حقوق الحاكم وواجباته وحقوق المحكومين، ويجعل إقامة العدل وصيانة مصالح الناس أساسًا لاستقامة هذه العلاقة.
خاتمة:
يتبيّن من خلال ما سبق أنّ القرآن الكريم أَوْلَى العلاقات الاجتماعية عنايةً بالِغة؛ فنظَّم صورها المتعدّدة، وبَيَّن الأُسُس والقيم التي تقوم عليها؛ بدءًا من العلاقات الأسرية، وما تتضمّنه من حقوق الزوجين والأقارب والأرحام، مرورًا بالعلاقات الاجتماعية كالجوار والضيافة، والعلاقات القائمة على الأخوّة الإيمانية والتعامل مع غير المسلمين، وانتهاءً بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
ويكشف هذا التنوّع عن شمول التصوّر القرآني للعلاقات الإنسانية، وحِرْصه على إقامتها على العدل والإحسان والرحمة والتعاون، بما يحفظ تماسُك المجتمع واستقراره، ويحقّق للإنسان صلاح دنياه وآخرته.
هذه المقالة مستفادة من بحث (العلاقات الاجتماعية) في موسوعة التفسير الموضوعي الصادرة عن مركز تفسير، وقد تصرّفنا فيها بالاختصار والتهذيب والتقديم والتأخير بما يتناسب مع النشر المقالي، مع إعداد مقدمة وخاتمة. (موقع تفسير)
جامع البيان، الطبري (٧/ ٥١٢، ٥١٣).
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٦/ ١١٧).
التفسير المنير، الزحيلي (٢١/ ٦٩، ٧٠).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٤٤.
فتح القدير، الشوكاني (١/ ٢٧٢).
تفسير المنار، محمد رشيد رضا (١٠/ ١٠٢).
المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص٤٠.
المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص١١٤.
تفسير المراغي (٢٢/ ٢٩).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥٦٥.
التفسير الواضح، محمد الحجازي (٢/ ٦٧٤).
التفسير المنير، الزحيلي (١٨/ ١٩٦).
التفسير الميسَّر، نخبة من أساتذة التفسير (١/ ٧١).
التفسير المنير، الزحيلي (٢٨/ ١٣٥، ١٣٦).
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))