النِّعَم في القرآن الكريم
أسباب بقائها، وموجبات زوالها، وعواقب كفرانها
الكاتب: موقع تفسير
تسعى هذه المقالة لتتبُّع ما ذكره القرآن الكريم من أسباب بقاء النِّعم وزيادتها، وما ذكره من موجبات زوالها، وعواقب كفرانها، مع الاستدلال بالآيات وقصص الأُمَم التي حفظَت النعم بالشُّكْر أو بدّلتها بالكفران.
النِّعَم في القرآن الكريم
أسباب بقائها، وموجبات زوالها، وعواقب كفرانها
يُنعم اللهُ -سبحانه وتعالى- على عباده بما شاء من نِعَم، ويقرّر القرآنُ الكريم أنّ النعمة فضل من الله تعالى، لا يستحقّها العبد بذاته، وأنَّ بقاءها أو زوالها له ارتباط بموقف العبد من النعمة، وفَصَّل القرآن في بيان الأسباب التي بها تُحفظ النعم وتزيد، والأسباب التي تُفضي إلى زوال النعم، ولم يقتصر في ذلك على التقرير المجرّد بل ساق شواهد من واقع الأُمَم، التي منها مَن حفظَ النعمة بالشكر، ومنها مَن زالت عنه بالكفران والبَطر.
وتسعى هذه المقالة إلى إبراز طرفٍ من السّنن القرآنية المتعلّقة بالنِّعَم، من خلال الوقوف على أبرز أسباب حفظها وزيادتها، وموجبات زوالها وانقطاعها، وعواقب كفرانها.
أولًا: أسباب بقاء النِّعَم وازديادها:
عرض القرآن جُملة من الأسباب التي تُحفظ بها النّعم وتزيد، ومِن أبرزها:
1- الشكر لله سبحانه وتعالى، وأداء ما يترتّب على النعمة من واجبات:
قرَن اللهُ -عز وجل- في كتابه النِّعم بالشُّكر في مواضع من كتابه، منها:
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]، أي: فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها، فيحلّ بكم ما حلّ بأهل القرية المضروبة مثلًا.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَـكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، أي: لعلكم تشكرون نِعَمَه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة، والتسهيل والسماحة.
وقوله تعالى في ثنائه على سليمان -عليه السلام-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، أي: أَلْـهِمْنِي أن أشكر نعمتك التي مننتَ بها عليَّ، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والديَّ بالإسلام لك، والإيمان بك، فسأل ربَّه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه.
وشكره بصرف النِّعم في طاعة مُسديها ومُوليها، ومقابلته لـمنّته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنِّعم على الوالدين نِعَم على أولادهم وذرّيتهم؛ لأنهم لا بدّ أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نِعم الدِّين؛ فإنّ صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، قال عليٌّ -رضي الله عنه-: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أنْ أسلم أبواه غيره، فأوصاه اللهُ بهما ولزم ذلك من بعده، فطلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشُّكْر على نِعَمه عليه وعلى والديه.
2- الدعاء والتضرّع إلى الله تعالى في الرخاء والشدة:
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، أي: «ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعِم عليكم بذلك لا غيره؛ لأنّ ذلك إليه وبيده، فإذا أصابكم في أبدانكم سقمٌ ومرضٌ، وعلّة عارضة، وشدّة من عيش، فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به؛ ليكشف ذلك عنكم».
وقال السعدي -رحمه الله-: «أي: تضجّون بالدعاء والتضرّع؛ لعِلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده».
3- التحدُّث بالنِّعَم:
أمرَ اللهُ نبيَّه وورثته من بعدِه بالتحدُّث بنِعَم الله عليه، فالتحدّث بالنِّعَم شُكْر لها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أي: «انْشُر ما أنعمَ اللهُ عليك بالشُّكْر والثناء، والتحدّثُ بنِعم الله والاعترافُ بها شكرٌ».
وقال ابن القيم -رحمه الله-: «في هذا التحديث قولان؛ أحدهما: أنه ذِكْر النعمة والإخبار بها، وقول العبد: أنعم اللهُ عليَّ بكذا وكذا. أي: اذكر نِعَم الله عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليُتْم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العَيْلة. والقول الثاني: أنّ التحدّث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمّة، والصواب: أنه يعمّ النوعين؛ إِذْ كلٌّ منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدّث بها؛ وإظهارها من شكرها».
4- استخدام النعمة فيما وُهِبَت من أجله:
التصرّف بالنعمة بلا بَطر، وبلا استعلاء على الخَلْق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشّر والدنس والفساد، مما يزكّي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينمّيها ويبارك فيها.
قال تعالى على حكاية عن موسى -عليه السلام-: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، أي: بما جعلتَ لي من الجاه والعِزّ والنعمة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي: مُعينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك. فهو عهدٌ مطلق ألّا يقف في صفّ المجرمين ظهيرًا ومُعينًا.
ومن صور استخدام النعمة فيما وُهِبَت له: إظهارُ آثارها المقصودةِ منها: كإظهار النصر للحقّ بنعمة الشجاعة، وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم، وتثقيف الأذهان بنعمة العلم.
فالشكر سلوك عملي، قال تعالى آمرًا داود بالشكر العملي: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وظاهر القرآن والسُّنة: أنّ الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللّسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.
ثانيًا: موجبات زوال النِّعَم:
الأصل في بيان أسباب زوال النِّعَم أن يُكتفى بعكس أسباب بقائها؛ إِذ انتفاء ما يحفظها موجب لزوالها، غير أنّ الأمر يقتضي مزيدًا من التفصيل والبيان، وأبرز موجبات الزوال في القرآن ما يأتي:
1. كُفْران النّعمة، ومَنْع حقوقها:
يتناول القرآن الكريم صورًا متعدّدة لكفران النعمة ومنع حقوقها، ومِن أبرزها:
ما ذكره الله تعالى في وصف كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، قال ابن كثير -رحمه الله-: «وإن كان المعنى يعمّ جميع الكفار، فإنّ الله تعالى بعثَ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين، ونعمةً للناس، فمَن قَبِلَها وقام بشكرها دخل الجنة، ومَن ردّها وكفَرَها دخل النار».
وقال تعالى منكرًا على مَن أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِالْبَـاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، أي: يؤمنون بالأصنام والأنداد، ويسترون نِعَم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره.
وقال تعالى في نكران الكافرين شُكْر نعمة الله عليهم: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَـافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، أي: ينكرون شُكْرها، فإنّ النعمة تقتضي أن يشكر الـمُنعَمُ عليه بها مَن أنعمَ عليه، فلمّا عبدوا ما لا يُنعِمُ عليهم فكأنهم أنكروها.
وقال تعالى موبِّخًا المشركين الذين يجازون النّعمة بالشِّرْك، بدل الشُّكْر للمنعِم المتفضِّل الوهّاب: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]، أي: «أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا، يجحدون بإشراكهم غير الله من خَلْقه في سلطانه ومُلْكه؟».
2. الغفلة عن الدعاء وقت الرخاء:
أخبر اللهُ تعالى في كتابه عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسّه ضُرٌّ -من مرض أو شدّة أو كرب- يدعوه ملحًّا في الدعاء؛ لتفريج ما نزل به، فلمّا كشف اللهُ ضرّه وأزال مشقّته نسي وعاد بربه كافرًا، ولمعروفه منكرًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩]، والآيتان «تصوّران أنموذجًا مكرّرًا للإنسان، ما لم تهتدِ فطرته إلى الحقّ، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضلّ عنه في السراء والضراء. إنّ الضرَّ يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعرّيها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى اللهَ وتعرفه وتتّجه إليه وحده، حتى إذا مرّت الشدة وجاء الرخاء نسي هذا الإنسان ما قاله في الضرّاء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء، وقال عن النعمة والرزق والفضل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قالها قارون، وقالها كلُّ مخدوع بعِلْم أو صنعة أو حيلة يعلِّل بها ما اتفق له من مال أو سلطان؛ غافلًا عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبِّب الأسباب، ومقدِّر الأرزاق».
3. البَطر واستخدام النِّعَم المادية في ظُلْم العباد وقهرهم:
أخبر تعالى في كتابه عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم، حيث إذا أذاقه الله منه رحمة كالصحة والرزق والأولاد ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سيردّها أو مثلها أو خيرًا منها عليه، وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسّته، أنه يفرح ويبطر ويفخر بنعم الله على عباد الله، ويتكبّر على الخَلْق، ويحتقرهم ويزدريهم، ويُستثنى من ذلك المؤمنون بالله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١٠- ١١].
وقال سبحانه على لسان موسى -عليه السلام- لفرعون الذي استعمل نِعَم الله عليه من المال والسلطان في الإساءة لبني إسرائيل حيث جعلهم عبيدًا وخدمًا، يصرفهم في أعماله ومشاقِّ رعيته: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧- ٢٢].
ثالثًا: عواقب كُفْران النّعمة:
بَيّنَ القرآن الكريم ما يترتّب على كفران النعمة من عواقب وآثار، ومِن أبرزها:
1- المحن والزّوال، والتعاسة والشقاء:
إذا جحدَ المرءُ نِعَم ربّه -تبارك وتعالى- فإنّ اللهَ يسلب منه هذه النعمة، وتحلّ مكانها النقمة، وليس بالضرورة أن تُسلب النعمة، بل قد يُزاد له فيها استدراجًا له حتى يزداد إثمًا؛ وذلك لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى.
وقد ذكر تعالى بعض الأُمَم الذين جحدوا نعمته فسلَب منهم تلك النعمة، فقوم سبأ لـمّا أعرضوا عن الشُّكْر وجحدوا النعمة أبدلهم اللهُ مكانها شرًّا ونقمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥- ١٧]، «وسبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها (مأرب)، والآية هنا تبيّن: ما أدَرَّ اللهُ عليهم من النّعَم، وصرف عنهم من النّقم، الذي يقتضي ذلك منهم أن يعبدوا الله ويشكروه، ثم فسّر الآية بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم وادٍ عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدًّا محكَمًا، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرّقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتغلّ لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشُكْر نِعَمِهِ التي أَدَرَّها عليهم من وجوه كثيرة:
منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛ لحُسْن هوائها، وقلّة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله تعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
ومنها: أنّ الله لـمّا عَلِمَ احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة -الظاهر أنها قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام- هيّأ لهم من الأسباب ما به يتيسّر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة بحمل الزاد والمزاد».
فانظر كيف أبدلهم اللهُ بالجنات والثمار ذلك الثمر البشع المرّ، وذلك النبات الذي لا فائدة منه ولا خير، وغيره من النبات الذي لا ثمر له. فهذا الجزاء من الواضح تمامًا أنه مترتّب على كفر النعمة، والإعراض عن المنعِم.
وكذلك فلقد ضرب القرآنُ لنا مثلًا تلك القرية التي كانت نِعم الله تغمرها من كلّ مكان، وتحيط بها من كلّ اتجاه، ولكنها كفرت بتلك النعمة، وجحدتْ شُكْر مُوليها، فهل تبقى تلك النعم متصلةً بها وهي على تلك الحال؟! القرآن يُجِيب عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، يعني: مكة.
وهذه القرية وإن كان المقصود بها مكة حيث كفر أهلها بنعمة الله، وقد كانوا آمنين ويعيشون مطمئنِّين، فكفروا به وجحدوا رسالته، «إلا أنّ الآية عامة لكلّ قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا، فبدّل اللهُ نعمتهم بالنقمة، وإيثار جمع القلة (أَنْعُم)؛ للإيذان بأنّ كفران النعم القليلة أوجب العذاب، فكيف بكفران وجحود النِّعَم الكبيرة؟».
2- العذاب المهين:
قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١١- ١٤]، أي: «اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم، هؤلاء أصحاب النعمة والغِنَى، الذين طغوا حين وَسَّعَ الله عليهم من رزقه وأمدّهم من فضله، ثم توعّدهم بما عنده من العقاب، فقال: إنّ عندنا عذابًا شديدًا، جعلناه تنكيلًا للذي لا يزال مستمرًّا على الذنوب، ونارًا حامية ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ وذلك لمرارته وبشاعته، وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، وعذابًا موجعًا مفظعًا، وذلك ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ من الهول العظيم، (وَكَانَتِ الْجِبَالُ) الراسيات الصُّمّ الصّلَاب ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أي: بمنزلة الرّمل المنهال المنتثر، ثم إنها تبسّ بعد ذلك، فتكون كالهباء المنثور».
خاتمة:
يتبيّن مما سبق كيف عَرّف القرآنُ بالنّعم، وأنها فضلٌ من الله يستوجب معرفة المنعِم وشكره وحُسْن الانتفاع بها، وأنّ مصيرها مرتبط بموقف الإنسان منها؛ فالشكر سبب لبقائها وزيادتها، والكفران وتضييع حقوقها سبب لزوالها وتحوّلها.
والشكر على النّعم في القرآن لا يقف عند الاعتراف بها؛ بل يمتدّ إلى استعمالِ النّعمة فيما يرضي اللهَ وأداءِ حقوقها، كما أنّ كفرانها لا يقف عند الجحود؛ بل يبلغ الغفلة عن المنعِم ونسبتها إلى غيره وتسخيرها في الظُّلْم.
ويُبَيِّن القرآنُ الكريم أنّ سُنّة الله في خَلقه أنّ كفران النعمة موجبٌ لتبدّلها نقمة، فيصير الرخاء شدةً، والأمن خوفًا، والنعيم عذابًا؛ فما كفرَ قومٌ نعمة الله إلا عاقبهم بنقيضها؛ جزاءً وفاقًا لِمَا قدّمت أيديهم.
هذه المقالة مستفادة من بحث (النِّعَم) في موسوعة التفسير الموضوعي الصادرة عن مركز تفسير، وقد تصرّفنا فيها بالاختصار والتهذيب والتقديم والتأخير بما يتناسب مع النشر المقالي، مع إعداد مقدمة وخاتمة. (موقع تفسير)
التحرير والتنوير، ابن عاشور (١٤/ ٣٠٩).
جامع البيان، الطبري (٣/ ٦٠).
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (١/ ١٨٣).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٠٢.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٨١.
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (١٦/ ١٩٤).
جامع البيان، الطبري (١٧/ ٢٢٤).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٤٢.
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (٢٠/ ١٠٢).
انظر: التفسير القيم، ابن القيم، ص٥٧٤.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٦/ ٢٠٣).
التحرير والتنوير، ابن عاشور (٢٠/ ٩٢).
التفسير المنير، الزحيلي (٢٢/ ١٥٩).
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٤/ ٥٠٨).
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٤/ ٥٨٧).
التحرير والتنوير (١٤/ ٢٤٢).
جامع البيان، الطبري (١٤/ ٢٩٣).
في ظلال القرآن (٥/ ٣٠٥٦).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٧٧.
جامع البيان، الطبري (١٤/ ٣٨٣).
انظر: المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري (٣/ ١٦٣).
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٩٣.
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))