دراسات الإعجاز القرآني عند ابن سبع السَّبْتِي

الكاتب: حسن الطوير

تعرض هذه المقالة جهود ابن سبع السَّبْتِي في دراسة إعجاز القرآن، وتحلّل رؤيته لوجوه الإعجاز، مع إبراز منهجه في توظيف تراث المتقدِّمين ومحاولة التوفيق بين الاتجاهات الكلامية في تفسير الإعجاز.

دراسات الإعجاز القرآني عند ابن سبع السَّبْتِي

  برز في العصر المرابطي عالِـمٌ بالمغرب الأقصى من الأعلام الذين صَنّفوا في السيرة النبوية واهتموا بقضية إعجاز القرآن، ولكن كتب التراجم وطبقات الرجال تُطْبِق بالصمت على سيرته فلم يصل إلى الباحثين ما يصوّر حياته، ولا ما يحدّد تاريخ مولده ووفاته، ولم تسعفنا ببيان شافٍ عن أُسرته وشيوخه وتلاميذه.

ذلك هو أبو الربيع سليمان بن سبع العجيسي ويلقَّب بالخطيب السَّبْتِي، كانت حياته في ظلّ الدولة المرابطية التي أخذت تدخل في دور ضعفها مع المرحلة الأخيرة من حياة ابن سبع، حيث كان ابن تومرت يقوم بأعباء دعوته، ويؤسّس دولته في المغرب الأقصى، وكان الفقه المالكي هو المؤيد بالتشجيع من أمراء الدولة المرابطية في حين كانت الدعوة الموحدية تؤيد البحث في التفسير والحديث والسيرة والعلوم القائمة على أصول الدِّين، فكان ابن سبع وتلاميذه من السائرين في هذا الاتجاه الفكري الموحّدي الجديد.

وُلِد ابن سبع بسَبتة وبها نشأ وتعلّم، وهي المدينة التي أنجبت علماء السيرة المشهورين كالقاضي عياض، وأبي الخطاب الحافظ بن دحية، والإمام أبي العباس العزفي وغيرهم.

وقد أشار إليه القاضي عياض في بعض رواياته حين يقول: «حدثني أبو الربيع بن سبع عن عثمان البرغواطي».

كما ذكر ابن الأبار في كتاب التكملة وهو يتحدّث عن ترجمة أبي عبد الله محمد بن حسين بن عطية المعروف بابن الغازي أنه روى عن جدّه لأمّه سليمان بن سبع الخطيب، فدلّ على أنّ عثمان البرغواطي من شيوخ ابن سبع، وأنّ القاضي عياض وابن الغازي من تلاميذه.

كما يُستنتج أنّ ابن سبع عُمِّر طويلًا حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، فهو قد عاش النصف الأخير من المائة الخامسة للهجرة وأوائل السادسة، يقول سعيد أعراب: «وإذا كان حفيده وتلميذه ابن الغازي قد وُلِد في حدود أوائل المائة السادسة وتُوفي على الأصح سنة 591هـ، فلا يجوز أن يسمع من جدّه ابن سبع إلا بعد أن تصل سِنّه السادسة عشرة على الأقلّ».

فإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره ابن سبع نفسه في كتابه: (شفاء الصدور)، من أنه قضى في جمعه قرابة ثلاثين سنة أو يزيد، والشأن ألا يتصدّى العلماء للتأليف إلا بعد أن يبلغوا أَشُدَّهُم وتصل أعمارهم الأربعين، فيجوز لنا أن نزعم أنّ ابن سبع وُلِد في حدود عام 440هـ وتوفي سنة 520هـ وعاش نيفًا وثمانين سنة.

كان ابن سبع عالمًا فقيهًا محدِّثًا، قال عنه الأنصاري: «الشيخ الفقيه الخطيب المحدِّث الحافظ».

ومن أهمّ آثاره العلمية: كتابه الشهير: (شفاء الصدور)، وهو موسوعة في الحديث والسِّيَر، جمع صنوفًا من العلم وألوانًا من الأدب، يقع في خمسة عشر مجلدًا، وأمّا كتابه الثاني فهو: (الخصائص)، وكان قد أدرجه ضمن كتاب (شفاء الصدور)، ثم أفرده بالتأليف، فاختصره في مجلد آخر وجعله في عشرة أبواب، وله كتاب: (الحجة في إثبات كرامات الأولياء).

ويلاحظ الباحثون أنّ آثار ابن سبع اشتهرت في المشرق أكثر من شهرتها بين علماء المغرب، يقول الكتاني: «يدلّنا على هذا أنّ المصادر تنقل عنه، وخصوصًا المشرقية منها تنعته بالشيخ الإمام، ولا تذكر اسمه إلا مقرونًا بالتجلّة والاحترام».

والدليل على ذلك: أنّ أبا العباس أحمد بن إبراهيم بن النحاس الدمشقي (ت: 814هـ)، قد أفاد منه في كتابه: (مشارع الأشواق)، كما أنّ شهاب الدين القسطلاني (ت: 923هـ) استقى كثيرًا من شفاء الصدور في كتابه: (المواهب اللّدنية في الشمائل المحمدية)، كما يقول شارحه الزرقاني.

وهذا الاهتمام الواضح بكتاب (شفاء الصدور) والنقل عنه من العلماء المشارقة يجعلنا نطرح سؤالًا مفاده: هل يعني ذلك أنّ ابن سبع قد رحل إلى المشرق وأخذ عنه العلماء هناك؟ وهذا أمر لا ننفيه ولا نجزم بوقوعه؛ لأنّ كتب التراجم الشرقية والمغربية لم تشر إليه.

وجوه الإعجاز القرآني عند ابن سبع:

لا شكّ أنّ النظر إلى وجوه الإعجاز القرآني يتأثّر بمسالك الناظرين واتجاهاتهم، فأعلام البلاغة يهتمّون بالوجه البلاغي، والمؤرِّخون وأصحاب التراجم والسِّيَر يسلِّطون الضوء على الإخبار بالغيوب، وعلماء الطبيعة يحفلون بالإشارات العلمية، وابن سبع وإِنْ توسّع في ذِكْر وجه الإعجاز القرآني فإنه اهتمّ بوجه الإخبار بالغيوب لعلاقته بالسيرة النبوية.

ولقد استهلّ الحديث عن إعجاز القرآن بمدح هذا الكتاب الحكيم، فقال: «فمِن ذلك القرآن المبين الذي خصّ نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وجعله معجزة ونزل به الروح الأمين... وأقام به الحُجّة وقطع به الأعذار، وهو من أجَلّ آيات الأرضين والسماوات وأظهرها، باقية لا تتغير، لم يقدر على معارضتها مَن تقدّم ولا مَن تأخّر».

ثم يتحدّث عن معجزات الأنبياء السابقين ووجه دلالتها، فيقول: فبعَث اللهُ موسى -عليه السّلام- في زمن السِّحْر فأبطله اللهُ بما أظهر على يديه من انقلاب العصا حية، وفلق البحر، وفَجّر له في التيه من الحَجَر الصلد اثنتي عشرة عينًا، وبعث عيسى -عليه السّلام- في زمن الطبّ، فأظهر على يديه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فأتى بأمر هو أبدع من أمرهم وأعجز بما لا يقدرون عليه، فظهر عجزهم واستبان الفرق بين الآيات والحِيَل».

وتعرّض ابن سبع لمعجزة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الخالدة بقوله: «وبعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في زمنٍ الغالب فيه البراعة والبلاغة والشِّعْر النفيس والكلام الفصيح والبيان البديع وغير ذلك من ضروب الكلام، فأتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكتاب المبين والقرآن الحكيم الذي جعله الله أعظمَ معجزاته».

فهو يرى أن المعجزات تنقسم إلى حِسّية وعقلية، وأنّ المعجزات الحِسّية تنتهي بانتهاء النبيّ الذي ظهرت على يديه، أمّا المعجزة العقلية فهي باقية خالدة إلى يوم القيامة، وهذا الرأي سبقه إليه الباقلاني وغيره الذي يقول: «فأمّا دلالة القرآن فهي معجزة عامة، عمّت الثقلين وبقيت بقاء العصرين، ولزوم الحجّة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حدّ واحد».

ويذهب ابن سبع بعد هذه المقدّمة إلى تحديد وجوه إعجاز القرآن، فيرى أنّ وجوه إعجازه كثيرة، وأنه سيقتصر على بعضٍ منها، فيقول: «فمِن وجوه حقيقة المعجزات يكون في تفرّد الله سبحانه بالقدرة عليه، ولا يصح دخوله تحت قدرة الخَلْق أجمعين بوجه من الوجوه، وليس معنى وصفه بأنه معجز ما يظنّه كثير من الناس من أهل الحقّ وغيرهم من المخالفين أنه ما يعجز عنه الخَلْق، وإن كان أصل وضعه في اللغة بأنه معجز مأخوذ من عجز الخَلْق عنه، لكن هذا وإن كان موضوع اللغة، فإنّ المراد بهذا الإطلاق أنه مما لا يدخل تحت قدرة العباد لامتناع كونه مقدورًا لهم، واستحالة وقوعه لا لعجزهم عنه ومنعهم منه».

وهو يعني بذلك أنّ القرآن الكريم ليس محلًّا للتحدّي، فلا يصح عقلًا الموازنة بين كلام المخلوقين وكلام الخالق، ومع أنّ الله لم يمنع الناس من المعارضة غير أنها ليست في مقدورهم لعجز المخلوق عن مضاهاة الخالق وكلامه، فكون القرآن صادرًا عن الله هو وحده الأصل في عجز الناس عن الإتيان بمثله.

ثم يدلّل على صحة هذا الرأي، بقوله: «لأنه لو صح أن يعجزوا عنه لصحّ أن يقدروا عليه، فبانَ ذلك وصحّ أنه مما لا يدخل تحت قدرة العباد؛ لامتناع كونه مقدورًا لهم واستحالة وقوعه منهم».

ويُبدِي ابن سبع اهتمامًا ملحوظًا بوجه من وجوه الإعجاز يتعلّق بالمضمون وهو ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب المستقلة التي لا يُتوصّل إليها بشيء من السِّحر والكهانة والحِيَل ويفصّل هذا الوجه، فيقول: «فالماضية كلّ أخباره عن القرون الماضية والأمم السالفة وقصصهم وما كان من شأنهم في جميع أمورهم، ومنها إخباره عن الكائنات المستقبلية، فوقع ذلك كما أخبر عنه، كقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]، وكقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، وكقوله: ﴿فَإِنْ لَـمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 24]».

ويفسّر آية التحدِّي في سورة البقرة، بقوله: «وقد قطع اللهُ سبحانه على الثقلين بعجزهم عنه قبل أن يمتحنوا بظهور عجزهم عنه، وأمَر نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمهم أنهم لا يأتون بسورة من مثله، فضلًا عن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا».

وابن سبع وهو يعدّ الإخبار عن الغيوب وجهًا من وجوه الإعجاز، يوافق بذلك علماء الأشاعرة كالقاضي الباقلاني والإمام الجويني، وغيرهما.

ويفرد ابن سبع جزئية من الإخبار بالغيوب بحديث خاصّ، وهي إخباره عن الخواطر التي في القلوب من غير أن يظهر ذلك منهم بقولٍ أو فعلٍ، كقوله تعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: 8]، من غير أن يسمعه منهم، وكقوله تعالى لليهود: ﴿فَتَمَنَّوا المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: 6]، أخبر عنهم بأنهم لا يتمنّونه أبدًا بما قدّمت أيديهم، فعرفوا صِدْقه فلم يحسن أن يتمنى الموت أحد منهم بأنه لو تمنّى لَمَات، وكذلك جاء عنه -عليه السلام- أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا مات غصّ بريقه).

وهذا توجيه متميّز لابن سبع في هذا المجال دالّ على أنّ الخالق -سبحانه وتعالى- يعلم غيبًا وحاضرًا يعجز عن عِلْمه المخلوقون، وهو عِلْم ما في القلوب من الإسرار ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

ويضيف ابن سبع وجهًا آخر للإعجاز، هو: «هذا النَّظْم البديع العجيب البائن الخارج عن النّظوم المعهودة في الخطاب الذي أعجز الخَلْق عن أن يأتوا بمثله، وهو خارج عن صورة الكلام المنظوم كالأشعار والسّجع والخُطَب والترسيل، وغير ذلك من أصناف الكلام».

ويذهب ابن سبع إلى أنّ القرآن الكريم جمع اللهُ به بين الحُجّة وما احتج له وبين الدليل وما يدلّ عليه، وتأويل ذلك أنّه احتج لنَظْم القرآن فصار حُجّة لما تضمنه أمره ونهيه ووعده، وهو الشيء الذي أقام الحُجّة بسببه.

فهو يرى أنّ القرآن أوضح دلالة من المعجزات الأخرى؛ لأنها في الغالب تخالف الوحي وتغايره، أمّا القرآن فهو نفسه الوحي وهو الخارق المعجز، فقد اتحد فيه الدليل والمدلول.

وهذا الرأي نقله عن الخطابي الذي أكثر الأخذ عنه، حيث يقول في رسالته (بيان إعجاز القرآن): «جامعًا في ذلك الحجة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه».

ولا يقتصر ابن سبع على هذه الوجوه الثلاثة، وإنما يضيف إليها وجوهًا أخرى، منها:

«الروعة التي في قلوب الناس وأسماعهم بحسب ما جمعه من جلالة القوة، وليس يخفى ذلك على متأمّل أحوال السامعين من المؤمنين، أمّا الجاحدون له فلا تجد أحدًا منهم يقرع سمعه شيء من ألفاظ هذا النَّظْم الباين إلا وجد له موقعًا في نفسه، لا يجد مثله مستمع من أصناف الكلام المنظوم سواه».

وقد أخذ هذا الوجه عن الخطابي الذي يقول في ختام رسالته في إعجاز القرآن: «قلت في إعجاز القرآن وجهًا آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذّ من آحادهم، وذلك صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس...».

ومن وجوه إعجازه عند ابن سبع: «أنه لم يزل ولا يزال غضًّا طريًّا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين، لا تلحقه سآمة من سماعه، ولا تصيبه ملالة من قراءته».

وهو يعني بذلك أنّ القارئ أو السامع إذا تكرّرت عليه مادة أيّ كتاب ملّ من سماعه وعزف عن قراءته، أمّا القرآن فله خاصية تميزه عن غيره من كلام المخلوقين، وهي أنّ قارئه لا يملّه، وسامعه لا يسأم من سماعه، وهذا وجه من وجوه إعجازه.

ويشير ابن سبع إلى وجه من وجوه الإعجاز له علاقة بالوجه البياني، وهو ما يوجد فيه من الأمر العجيب من مشاكلة بعض أجزائه بعضًا، واستقرار النَّظْم على جهة واحدة من الحُسْن والائتلاف التي تحار القلوب والأسماع فيه، مع اختلاف المعاني الموجودة فيه: «...ثم لا يوجد ذلك الاختلاف الواقع في المعاني اختلاف نَظْم في السمع، ولا نفارًا في القلوب، ولا هجنة في التأليف».

ويختم ابن سبع وجوه إعجاز القرآن بالوجه التشريعي، فيرى أنّ الله تعالى لـمّا أنزله على هيئته من النَّظْم والتأليف أدرج معها فيه عِلْم كلّ ما احتاج العباد إلى علمه من أصول دينهم وفروعه، ومن التنبيه على طرق العقليات، وإقامة الحُجّة على المجبرة والدهرية والمنكرين للبعث بأوجز كلامه وأبلغه.

ويمكن أن نستخلص مِن طَرْح ابن سبع لوجوه إعجاز القرآن أنه أخذ برأي علماء الأشاعرة في هذا الأمر، ولم يقتصر عليه بل زاد وجوهًا أخرى؛ مثل الروعة التي تدخل سامعيه، وأن قارئه لا يملّه وسامعه لا يمجّه، ونرى أنّ ابن سبع قد سبق العلماء المغاربة المهتمين بهذا الجانب في طرح هذه الوجوه، وأنهم ربما بنوا دراستهم للإعجاز على هذه الدراسة.

من خواصّ النَّظْم القرآني:

يخصّص ابن سبع مجالًا في كتابه: (شفاء الصدور)، للحديث عن خواص النَّظْم القرآني، وهو يرى أنه تعالى جعل تنزيله في صورة المنظوم من الكلام ودون المنثور لما يدخل في المنثور من التغيير بالزيادة أو النقصان، يقول: «فإنّ الله -سبحانه وتعالى- لـمّا صيَّره منظومًا زاد في تحبيبه إلى القلوب إلى ما جرى به أحكام طبائع الناس من قبلهم إلى منظوم الكلام، وصعوبته من حفظ المنثور».

وابن سبع في رأيه هذا يخالف الماوردي الذي ذهب إلى أنّ نَظْم أسلوب القرآن يخرج عن منظوم الكلام ومنثوره، ويستدلّ على رأيه هذا بقول أنيس الغفاري -وهو أخو أبي ذرّ الغفاري-: «عرضتُ القرآن على السّجع والشِّعْر والنَّظْم والنثر فلم يوافق شيئًا من طرق كلام العرب».

بينما يتمسّك ابن خلدون بعدهما بأنّ القرآن من المنثور، وإن كانت له خاصيته، فيقول: «أمّا القرآن وإن كان من المنثور، إلا أنه خارج عن الوصفين، وليس يسمّى مرسلًا مطلقًا ولا مسجعًا، بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذّوق بانتهاء الكلام عندها، ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعًا ولا قافية... ويسمّى آخر الآيات فواصل».

ولا يستقيم الرأي الذي ذكره الماوردي مع التقسيم المعهود للكلام العربي، من قرآن وغيره حيث إنه لا يجاوز قسمي المنثور والمنظوم.

ويترجّح رأي ابن خلدون في كون كلام الله تعالى نثرًا له خصائصه التي تميزه عن غيره من كلام المخلوقين.

ويتحدّث ابن سبع عن خاصية من خواص نَظْم القرآن، وهي تلك التكريرات التي في أخبار الأنبياء وذِكْر القرون الماضية، وما جرت عليه أحوالهم مع الرُّسل، وذكر ما حلّ بالأمم التي أرسلوا إليها من أنواع العذاب والمثُلَات عند تكذيبهم لأولئك الرسل، يقول: «فإنّا نجد ذلك مردودًا مكررًا حتى لا يكاد يخلو من ذلك مجتنب في كلام المخلوقين وليس يشبهه... ثم نجد القرآن بخلاف ذلك، فلا ينكره سمع، ولا ينبو عنه قلب، مع كثرة ما فيه من التكرير والترديد».

وهو يعني أن التكرار في كلام البشر يدعو إلى الملل والسأم، وهو في عبارات القرآن يزيدها بيانًا في المعنى، وإحكامًا في السَّبْك، فالإطالة لإيضاح الفكرة والتكرار لتقريرها في ذهن السامع لا يعدّ فضولًا، بل هو فنّ بلاغي ينبغي للمتكلِّم مراعاته حتى يكون أسلوبه بليغًا، وهو مذهب الكلام عند العرب ولقد نزل القرآن الكريم بلغتهم.

ويذهب ابن سبع إلى أنّ «المتأمّل في تلك القصص المكرّرة يجد كلّ واحدة من تلك القصص المكرّرة تُغاير نظيرتها من جهة المعنى والنَّظْم واللفظ... وأنّ القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون، إن كان يظنّ أنها لا تغاير أخرى من نظائرها، فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وذلك حال المعاني الواقعة تحت الألفاظ، فإنّ كلّ واحدة من هذه المكررات لا بدّ أن تخالف نظيرتها لوقوع معنى زائد فيه لا يوقف عليه إلّا منها».

وهو يعني بقوله: «يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير علم المتشابهات الذي يعدّ فنًّا من فنون علم التفسير ومظهرًا من مظاهر الإعجاز البياني للقرآن، وقد اهتمّ بهذا العلم وصنّف فيه علماء مشارقة ومغاربة كالخطيب الإسكافي في (درة التنزيل وغرة التأويل)، وألّف في توجيهه الكرماني (البرهان في توجيه متشابه القرآن)، وقد أبدع في هذا الفنّ من العلماء المغاربة أبو جعفر بن الزبير الغرناطي في كتابه (ملاك التأويل).

ثم يفسّر ابن سبع السرّ في تكرار هذه القصص، وعدم جمعها في موضوع واحد، فيقول: «ولو اجتمعت تلك القصة الواحدة في موضوع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه في الكتب المتقدّمة من انفراد كلّ قصة منها، من مواضع ذلك ما وجدنا في القرآن من انفراد سورة يوسف بالمواضيع التي وضع به منها».

وقد سبقه الخطابي في الإجابة عن سؤال ما لو كانت سور القرآن على هذا الترتيب فتكون أخبار الأمم وأقاصيصهم في سورة، والمواعظ والأمثال في سورة، والأحكام في أخرى؟ يقول: «إنه إنما نزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في السورة الواحدة وفي الآي المجموعة القليلة العدد لتكون أكثر لفائدته، وأعمّ لنفعه، ولو كان لكلّ باب منه قبيل، ولكلّ معنى سورة منفردة لم تكثر عادته، ولكان الواحد من الكفار والمعاندين المنكرين له إذا سمع السورة منه لا تقوم عليه الحجّة إلّا في النوع الواحد الذي تضمّنته السورة الواحدة فقط، فكان اجتماع المعاني في السورة الواحدة أوفر حظًّا وأجدى نفعًا من التمييز والتفريد».

ويتحدّث ابن سبع عن خاصية أخرى من خواص النَّظْم القرآني وهي ما توجد عليه ألفاظه في جمعها بين صفتي الجزالة والعذوبة، ويفسِّر الخاصية بقوله: «ذلك أنّ هاتين الصفتين اللتين كالمتضادتين ترتفع إحداهما بوقوع الأخرى، وتعدم مع وجودها في كلام البشر؛ لأن الجزالة في الألفاظ لا توجد إلّا بما يشوبها من القوّة وبعض الوعورة، والعذوبة فيها ما يضادها من السلامة والسهولة».

فهو يرى أنّ البشر في كلامهم يعجزون عن الجمع بين صفتي الجزالة والعذوبة في كلام واحد، فمَن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والدعوة في الأسماع مثل منطق الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء والخطباء الذين يخطبون في المواسم على رؤوس الأشهاد في المحافل، وينشدون بين يدي الملوك والسلاطين المدائح ليحفظ قولهم ويخلّد ذِكْرهم، ومن نحا نحو الصورة الثانية فإنما يقصد من الكلام ما تغلب عليه السلامة والسهولة ليكون في الأسماع أعذب وأشهى وألذّ مثل أشعار المخضرمين وخُطَبهم، وما يتهاداه الكُتّاب بينهم من الرسائل والأشعار.

وبعد أن صوّر ابن سبع كلام البشر بهذه الصورة التي يمتنع فيها الجمع بين صفتي الجزالة والعذوبة، ذهب إلى أن كلام الله تعالى قد جمع هاتين الصِّفَتين، «وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نَظْمه كلتا الصفتين لوجود الأسماع إياها من العذوبة والسهولة على هيئة لا يوجد عليها ألذّ مسموع منظوم من كلام البشر، فانتظم نَظْم هاتين الصِّفتين في القرآن عجيبتين في إقامة دلالة الرسالة وحجّة النبوّة».

ثم إنّ هناك ميزةً أخرى اختص بها نَظْم القرآن، وهي «أنّ الله تعالى يسّره للذِّكْر، ولو طال بكثرة ألفاظه لعضلت المحنة على أهل الدِّين في حفظه، فلطف الله بأن جعله في غاية الوجازة ليسهل حِفْظه، وجعل ألفاظه مشتملة على معانٍ كثيرة بوجازتها، ليظهر فضله، وتظهر فضيلة الدِّين على معرفته ومعرفة تأويله من أُولي الإفهام».

وقد جعل بعض العلماء هذه الخاصية وجهًا من وجوه إعجازه، يقول القاضي عياض: «ومنها -يعني وجوه إعجازه- تيسيره تعالى حِفْظه لمتعلّميه، وتقريبه على متحفّظيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]».

ولقد أحسن ابن سبع صنعًا عندما عدّ هذه الخاصّية وغيرها من أسرار النَّظْم القرآني، وليست وجهًا من وجوه إعجازه؛ لأنها في حقيقتها ترجع كلّها إلى النَّظْم وهو الوجه البياني من وجوه إعجاز القرآن.

ومن خصائص النَّظْم القرآني عند ابن سبع أنّ القرآن وإن كان الله -عز وجل- قد ميّزه عن كلام الخلق باجتماع ما اجتمع فيه من الفضائل التي عدم وجودها بتمامه مما سواه، فإنه قد جعله محتملًا لوجود التفاضل، فيميز بين بعض أجزائه من سوره ما بينه وبين بعض لأنه كلام، وإنما تظهر جودة النَّظْم التامّ في الأشياء المختلفة، فإذا تشابهت الأشياء لم يظهر فيما بينها إلا صورة تأليف الأجزاء فقط.

ثم يوضح الهدف الذي يقصده من عبارته السابقة، فيقول: «والنَّظْم أكثر من التأليف بسبب ما يظهر في المنظوم من الصور التي لا يوجد مثلها في المؤلَّف غير المنظوم، فإذا وجد النّظْم وقع التفاضل بين الأجزاء بوجود بعض الأجزاء أفضل من وجود بعض بوجه من الوجوه».

فمعنى النَّظْم عنده تأليف بعض أجزاء الكلام المتركّب من الألفاظ والمعاني إلى بعض، وهو في ذلك يوافق عبد القاهر الجرجاني الذي يرى أنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة حتى تقع في مكانها من التأليف والنَّظْم.

وعلى الرغم من ذلك فإنّ ابن سبع ما زال يصرّ على أنّ النَّظْم القرآني له معنى يقابل معنى النثر، كما أنه لا يأخذ بنظرية النَّظْم عند الجرجاني؛ لأنه يرى أنّ التفاضل في الكلام قد يكون من جهة اللفظ وقد يكون من جهة المعنى، بينما الجرجاني نظريته في النَّظْم على المعاني وحدها.

وقد حاول ابن سبع التوفيق بين نظرية النَّظْم عند كلّ من الأشاعرة والمعتزلة، حيث يقول: «وقد يكون ذلك الفضل من طريق المعنى، وهو أن يكون معنى أجلّ من معنى وأشرف منه في جنسه، ومن طريق اللفظ بأن يكون أجزل وأفخم من طريق النَّظْم بأن يكون أقوى وأخص في السمع وأوقع».

ومن المعلوم أنّ نظرية المعتزلة في النَّظْم تقوم على أنّ اللغة أو الكلام أصوات منظومة وحروف مقطعة، يقول الباحث أحمد أبو زيد: «ومالَ المعتزلة إلى تصور النَّظْم والقرآن واقعًا في الكلام المؤلّف من الأصوات، وأنّ موضوعه هو الصياغة اللفظية».

فنظرية النَّظْم بمفهومها الاعتزالي تقوم على العناية بالصياغة اللفظية مع ملاحظة أنّ المعاني لا تحتلّ مكانة رفيعة عندهم.

أمّا الأشاعرة فقد عبّر عن رأيهم في نظرية النَّظْم عبد القاهر الجرجاني، الذي استطاع أن يضع لهم نظرية متميزة في النَّظْم وإعجاز القرآن تقوم على أن النَّظْم إنما هو نَظْم المعاني، يقول الجرجاني: «والمتكلّم يقتفي في نَظْم كلماته آثار المعاني، ويرتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس».

وحيث إنّ مغرب العالم الإسلامي يختلف عن مشرقه من حيث الفِرَق والمذاهب العقدية، إِذْ يبدو الغرب الإسلامي أقرب إلى الوحدة؛ لذا فإنّ ابن سبع لم يرجّح مذهبًا بعينه في نظرية النَّظْم وإنما حاول التوفيق بين النظريتين.

ثم يصل ابن سبع إلى نتيجة في ختام هذا الفصل، وهو أنه ليس في جميع الأمم أمّة أُوتِيَتْ من المعارضة والبيان واتساع المجال ما أُوتِيَتْهُ العربُ تخصيصًا من الله لما أرهصه في الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأراد به من إقامة الدليل على تفوقه وإثبات معجزته.

فهو يقصد أنّ عجز العرب عن معارضة القرآن في الوجه البياني حُجّة عليهم؛ لأنّ العرب توافرت لهم دواعي المعارضة أكثر من غيرهم، من مكنة بيانية، وسلطة استقلالية عن قوّة المسلمين، حيث كان الكفار في منعة وقوّة، والمسلمون في ضعف وحاجة أكثر مدّة الوحي.

والمقدّر لجهود ابن سبع في دراسة الإعجاز القرآني يرى أنه استطاع أن يلخّص جهود سابقيه ويوظّفها للاستدلال على ما يرجّحه من أفكار تتعلّق باختياره لوجوه الإعجاز وخصائص النَّظْم القرآني، وأنّ نظريته في تلك القضايا تتسم بالشمول وحسن الاستدلال.

 


  1. ^

     نُشرت هذه المقالة في مجلة (كلية الدعوة الإسلامية) بالجماهيرية الليبية، العدد الخامس عشر، سنة 1998م، ص179 وما بعدها. (موقع ‏تفسير)

  2. ^

     المصنفات المغربية في السيرة النبوية، محمد يسف (1/ 276).

  3. ^

     التعريف بالقاضي عياض، ولده محمد، ط. وزارة الأوقاف - المغرب، ص41.

  4. ^

     التكملة، لابن الأبار، ص160.

  5. ^

     مجلة دعوة الحق، العدد الثامن، السنة العشرون، 1399= 1979، ص18.

  6. ^

     مجلة دعوة الحق، العدد الثامن، السنة العشرون، 1399= 1979، ص18.

  7. ^

     اختصار الأخبار عمّا بقي بثغر سبتة من سني الآثار، محمد بن قاسم الأنصاري، المطبعة الملكية، الرباط، 1389= 1969، ص24.

  8. ^

     كشف الظنون، حاجي خليفة (2/ 1050).

  9. ^

     توجد منه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية تحت رقم (2168). ‏

  10. ^

     الرسالة المستطرفة، ابن جعفر الكتاني، دار الفكر، دمشق، ص109. ‏

  11. ^

     انظر مقدمة كتاب: (مشارع الأشواق)، خ الخزانة العامة بالرباط، رقم 21.

  12. ^

     شرح الزرقاني على المواهب، المطبعة الأزهرية، القاهرة (1/ 42).

  13. ^

     شفاء الصدور، خ الخزانة العامة بالرباط، رقم 1383 ك، ص40.

  14. ^

     شفاء الصدور، ص52.

  15. ^

     شفاء الصدور، ص53.

  16. ^

     إعجاز القرآن، تحقيق: محمّد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت، ص55.

  17. ^

     شفاء الصدور، ص41.

  18. ^

     شفاء الصدور، ص41.

  19. ^

     شفاء الصدور، ص:41، 42.

  20. ^

     وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23].

  21. ^

     انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، للجويني، ص295.

  22. ^

     شفاء الصدور، ص42.

  23. ^

     شفاء الصدور، ص43.

  24. ^

     بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد زغلول سلام وآخر، دار ‏المعارف بمصر، ط: ثالثة، ص28.

  25. ^

     شفاء الصدور، ص43.

  26. ^

     بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص70.

  27. ^

     شفاء الصدور، ص44.

  28. ^

     شفاء الصدور، ص44.

  29. ^

     شفاء الصدور، ص48.

  30. ^

     شفاء الصدور، ص43.

  31. ^

     أعلام النبوة، عليّ بن الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: أولى، 1986، ص56.

  32. ^

     شفاء الصدور، ص45.

  33. ^

     شفاء الصدور، ص46.

  34. ^

     شفاء الصدور، ص46.

  35. ^

     بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص54.

  36. ^

     شفاء الصدور، ص47.

  37. ^

     شفاء الصدور، ص47.

  38. ^

     شفاء الصدور، ص49.

  39. ^

     الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، دار الفيحاء، عمان، ط 2، 1407= 1986، (1/ 540).

  40. ^

     شفاء الصدور، ص51.

  41. ^

     شفاء الصدور، ص51.

  42. ^

     دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، دار قتيبة، ط1، 1403= 1983، ص39.

  43. ^

     شفاء الصدور، ص51.

  44. ^

     مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن، دار الأمان، الرباط، ط1، 1409= 1989، ص71.

  45. ^

     دلائل الإعجاز، ص42.

  46. ^

     شفاء الصدور، ص58.

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24774