الطباق البياني في القرآن الكريم

الكاتب: شلتاغ عبود

تتناول هذه المقالةُ الطباقَ البياني في القرآن بوصفه تلاحمًا بين البيان والبديع، انطلاقًا من كون التضاد ليس زخرفًا لفظيًّا، بل أداة تصويرية تُعمِّق المعنى. فتُعرِّف بالطباق وتُسلِّط الضوء عليه في إطار التصوير القرآني، كما تمثِّل له في الأمثال القرآنية ورسم المشاهد في الآيات، وتختم ببعض صور الطباق الخفيّ.

مقدمة:

عنوان هذا البحث يحتاج إلى شيء من الإيضاح. فهو يشير إلى اصطلاحَيْن من علوم البلاغة: أحدهما علم البيان، والثاني فرع من علم البديع، وهو الطباق. فكيف التقى هذان الاصطلاحان في عنوان واحد؟

الحقّ أنَّ الدراسات البلاغية القديمة وكثير من الدراسات الحديثة جرتْ على الفصل بين هذه العلوم، وإن كان لهذا الصنيع بعض التسويغ في مجال الدراسات النظرية أو المدرسية، فإنه ليس مقبولًا في مجال الدراسات التحليلية للنصوص الأدبية. وكان لهذا المنهج أضرارُه الواضحة المتمثِّلة في النظرة التجزيئية للنصّ، سواء من حيث دراسة الشكل أو المضمون، أو تناول جانب واحد من الشكل أو ملحظ بلاغي واحد كأَنْ يكون الصورة البيانية، أو مبحثًا من مباحث علم المعاني، أو قضية من قضايا ما اصطلح عليه بعلم البديع، كلًّا على انفصال. وليس هذا غريبًا على تاريخ الدراسات النحوية والبلاغية لدى علمائنا، فقد دُرِس النحو منفصلًا عن البلاغة، ودُرست البلاغة منفصلة عن النحو، إلا ما كان من جهود عبد القاهر الجرجاني من توخِّي معاني النحو في كتابه (دلائل الإعجاز)، وفي صياغة نظريته في (النَّظْم) خاصة.

ومحاولتنا في هذا البحث تتمثّل في النظر إلى عنصر التضاد أو التقابل أو (الطباق) في الصورة البيانية القرآنية، والتأمّل في اشتراك هذين العِلْمَين من علوم البلاغة في الأدب القرآني، ومدى تأثيرهما في إبراز المعنى القرآني والهدف القرآني العام. وقبل أن نتناول النصوص القرآنية بالتحليل لا بدّ من إلقاء نظرة سريعة على مفهوم (الطباق) وتعريفه، وصِلَته بعلوم البديع الأخرى، مع شيء من تاريخ البديع نفسه.

تعريف الطباق:

المطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رِجله موضع يده، ومن معانيها الموافقة، وتقريب الفرس في العَدْو، إلى غير هذا من المعاني المتولّدة. أمّا معناها الاصطلاحي البلاغي فهو الجَمْع بين الكلمة وضدّها. قال أبو هلال العسكري: «وقد أجمع الناس أنّ المطابقة في الكلام الجمعُ بين الشيء وضدّه في جزء من أجزاء الرسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت الشِّعْر، مثل الجمع بين البياض والسواد، والليل والنهار، والحر والبرد». وقال القزويني: «المطابقة: وتسمَّى الطباق والتضاد أيضًا، وهي الجَمْع بين متضادَّين، أي معنيَيْن متقابلَيْن في الجُمْلَة»، ولم يخالف هذا الإجماع في المصطلح إلا قدامة بن جعفر؛ إِذْ كان يسمِّيه (التكافُؤ)، وقد تبعه في هذا النحّاس.

ومن الملاحَظ أنه ليس بين المعنى اللغوي للطباق أو المطابقة والمعنى الاصطلاحي البلاغي أدنى مناسبة، بل هناك نوع من التضاد.

وكعادة البلاغيين في الولوع بالتقسيمات والتفريعات فقد تحدّثوا عن طباق الإيجاب، وطباق السّلب، والطباق المحض، والطباق غير المحض؛ فعندهم الجمال ضدّه الدمامة، وليس القبح، كما في قول الشاعر:

وَجْهُهُ غايةُ الجمالِ، ولكِنْ ** فعلُهُ غايةٌ لكلِّ قبيح

وعندهم أنّ قول عمرو بن كلثوم:

بأنّا نورِدُ الراياتِ بيضًا * ونُصدرُهُنَّ حُمْرًا قد روينا

ليس من نوع المطابقة المحضة؛ لأنّ الأبيض والأحمر ليس مثل الأبيض والأسود، وهذا تنطّع واضح؛ لأنّ المراد هو التضاد في المعنى والموقف، والتوسّع في هذا أجدى وأنفع.

وعَدّوا (المقابلة) نوعًا آخر من أنواع البديع، مع أنها لا تختلف عن المطابقة إلا في عدد الكلمات المتضادات وترتيبها، بحيث تقابل الأولى ضدها في الجزء الأول من الكلام، وتقابل الثانية ضدها في الجزء الأول نفسه، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82]. وهكذا الثالثة والرابعة، وعندهم أنه كلّما زادت المتضادات حَسُن الكلام.

ومعلوم أنّ هذا أقرب إلى الصّنعة، وأنه ما كان منظورًا إليه في المراحل الأولى من تاريخ الأدب والبلاغة، بل هو وليد عصور الصنعة في القرن السادس الهجري وما بعده.

لقد نظر علماء البلاغة وبعض النقّاد إلى البديع عامة والطباق خاصّة، على أنه مجرّد حِلية وزينة، وأنه أمرٌ وراء المعنى، وراحوا يدرسون كلّ نوع من أنواع البديع منفصلًا عن غيره، فدراسة الجناس غير مرتبطة بدراسة الطباق، ودراسة المشاكَلة غير مرتبطة بدراسة السجع، فليس فنٌّ منها مبنيًّا على فنّ، وكان طبيعيًّا أن تكون دراستهم لأنواع البديع منفصلة كذلك عن علوم البلاغة الأخرى؛ كعِلْم المعاني وعِلْم البيان.

وكان الأجدر بعلماء البلاغة المتأخِّرين ألا يقفوا عند وجوه تحسين الكلام التي يُعنى بها عِلْم البديع؛ لأنّ الكلام ليس زخرفة وتحسينًا، بل لا بدّ من مراعاة ما يُعنى به علم المعاني من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وما يُعنى به علم البيان من وضوح الدلالة على المراد لفظًا ومعنى.

إنهم من الناحية النظرية أشاروا إلى هذا، فقالوا عن علم البديع بأنه: «عِلْم يُعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة»، ولكنّهم من الناحية التطبيقية أُغْرِموا بوجوه التحسين وأَهملوا الجانب النفسي والمعنوي، كما أَهملوا جمال الصياغة ودقّة التعبير. والأصل أن البديع لا يكون بلاغة إلا إذا وقع في كلامٍ استوفى شروطه من صحة المعنى وجمال الصياغة، وإلّا فما قيمة هذا اللّعب اللفظي الذي شغل البلاغيون فيه أنفسَهم لقرون طويلة، ووجّهوا الأدباء وجهةً لاهيةً لا صِلَة لها بتنمية الذّوق الفني، ولا صِلَة لها بحركة الحياة والمجتمع؟

والناظر إلى كتابَيْ عبد القاهر الجرجاني: (دلائل الإعجاز)، و(أسرار البلاغة)؛ يجد أنه عُنِي بعلمَي المعاني والبيان، ولم يُعْنَ بعلم البديع، واكتفى بالإشارة إلى التجنيس والمطابقة إشارةً عابرة مؤكّدًا على ضرورة صِلتهما بالمعنى وخدمته، وأنهما لا يمكن أن يُدرسَا بعيدًا عن علمَي المعاني والبيان. قال: «وأمّا التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنيهما من العقل موقعًا حميدًا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدًا... وعلى الجُمْلة فإنك لا تجد تجنيسًا مقبولًا ولا سجعًا حسنًا حتى يكون المعنى هو الذي استدعاه وساق نحوه».

وبهذا يكون عبد القاهر وحده هو الذي أعطى للبديع قيمته في تشكيل الصورة، وتحقيق الغرض المعنوي، وأنّ علماء البلاغة الذين جاؤوا بعده هم الذين انحرفوا عن هذا الاتجاه، ودرسوا البديع لِذَاته، منعزلًا عن علمَي المعاني والبيان؛ ولهذا جاءت الدراسات البلاغية للبديع جافة وعقيمة، فلم تخدم هدفًا ولا معنى، وأنها كانت تعبيرًا عن سرف وبطالة أصابت العالم العربي والإسلامي وأسلمته إلى الضمور والتدهور.

بلاغة الطباق وأهميته:

الكلمات المتضادّة موجودة في اللغات كلّها، وليستْ وقفًا على اللغة العربية وحدها؛ لأنها تعبير عن حقائق كونية واجتماعية ونفسية، كانت في مجال الحياة الإنسانية لا تكاد تذكر الخير إلا وتذكّرت الشر، ولا تكاد تذكر الحُبّ إلا ورافق ذِكره الكُرْه أو الحقد، وهكذا تجد التجاوب بين هذه الكلمات من مثل الصِّدْق والكَذِب، والقوّة والضعف، والأمن والخوف، والميل والنفور، والاستقامة والانحراف، إلى غير ذلك من عالم الحسّيات والألوان. يقول ابن رشيق: «والناس متّفقون على أنّ جميع المخلوقات: مخالف وموافق ومضاد». ولم يبتدع عِلْم البديع هذا النوع ابتداعًا، بل لاحظه في الآثار الأدبية ونبّه عليه، وكان لذيذًا ومستساغًا، حتى دخله التصنّع والتصنيع في العصور المتأخّرة، فصار سمجًا ومبتذَلًا.

وما من شكّ في أنَّ تداعي المعاني في التعبير الأدبي قد يأتي عن طريق التشابه بين الأشياء التي تقع عليها حواسّ الأديب، أو يأتي عن طريق التضاد، وهناك من يرى «أنّ الضدّ أكثر خطورًا على البال من الشبيه وأوضح في الدلالة على المعنى منه». وهذا في مجال الصياغة الأدبية التي اكتملت شروطها -كما أشرنا- معنى ومبنى وتصويرًا، فيكون التضاد في هذا السياق أقدر على تنشيط الفعالية الإدراكية وتوسيع مَلَكة التخيُّل والوهم.

هذا في ميدان العملية الإبداعية ذاتها، أمّا أثر هذا التضاد وتصوير التناقض في الوجود المادي والاجتماعي والنفسي خاصّة في كيان المتلقِّي وإحساسه وعاطفته، فإنه يوقِظ الإحساس، ويؤجّج العاطفة، ويستفزّ الشعور من خلال تسليط الضوء على المفارقة والتناظر بين الأشياء، مما يُحْدِث هزّة شعورية متوتّرة ورافضة لهذا التناقض، أو متسائلة، وإِنْ أَبْدَت رضا، فغالبًا ما يكون من جهة خنوع واستخذاء.

وقد أدرك كبير شعراء العربية أبو الطيب المتنبي وظيفة رصد المفارقات الصارخة في الحياة الاجتماعية والسياسية في عصره، بل وقف عند أحواله النفسية هو بين ما يطمح إليه وبين ما هو واقع بين يديه، وبين ما يُراد به وبين ما يريد هو! فجاء ديوانه حافلًا برصد هذه التناقضات من خلال ما تمنحه اللغة من عطاء واسع وثراء كبير من المفردات المتضادة التي يُشار إليها بـ(الطباق) في المجال البلاغي. وربما يمكن القول بأنّ المتنبي أكثر الشعراء إفادة في رصد هذه المفارقات بشكلٍ طبيعي وغير متكلّف. ويكفي أن نشير إشارة سريعة إلى مثل هذه النماذج:

أَظْمَتْنِي الدُّنيا فَلَمّا جِئْتُهَا ** مُسْتَسْقِيًا، مَطَرَتْ علَيَّ مَصَائِبَا

وقوله في هجاء كافور:

وأَسْوَدُ مشفرُهُ نصفُهُ ** يُقَالُ لَهُ أَنْتَ بَدْرُ الدُّجَى!

وإذا كان شعراء الصنعة قبله وبعده قد فاقوه في كثرة استخدام (الطباق)، فإنهم لم يفوقوه قُدْرَةً على توظيفه، وإحداث الأثر المرجوّ في نفوس سامعيه وقرّائه.

مهما يكن، فإنّ الطباق ليس كالجناس والسجع تكلّفًا؛ لأنه يعكس طبيعة الأشياء في الوجود، والصنعة فيه تبدو أقلّ، وكلّما ذهب التكلّف فيه كان تعبيرًا عن حقائق الحياة. يقول أبو هلال العسكري: «إنّ هذا النوع من الكلام إذا سَلِم من التكلف، وبرئ من العيوب، كان في غاية الحُسْن، ونهاية الجودة»، مشيرًا إلى الاقتصاد في التعامل مع الكلمات المتضادة في اللغة.

ولقد جرَتْ موجة عاتية من النقد والاستخفاف بفنّ البديع عامة في العصر الحديث، وهو نقد موجَّه إلى حالات الغلوّ والزخرفة التي طغَت على أدب العصور المتأخّرة، وليس موجّهًا إلى عِلْم البديع في الحالات التي يكون فيها جزءًا من الكلام البليغ وعنصرًا مكملًا لقيمته وتأثيره. وهذا ما سوف نلاحظه في الأدب القرآني من خلال النصوص التي سوف نقف عندها.

الطباق في القرآن:

ليس هذا موضوع حديثنا الأساس، ولكنه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عنصر التضاد في محسوسات الحياة ومعنوياتها عنصرٌ لافت للنظر في القرآن الكريم، وقد أشار إليه البلاغيون القدامى، ولكن في إطارٍ مستقلّ من عِلْم البديع، دون وصله بعلوم البلاغة الأخرى، ودون بيان لوظيفته المعنوية والفنية وفي إطار التوجيه التربوي والنفسي للقرآن.

ولقد أشار الباحثون القدامى والمحدَثون إلى أنّ هناك ألفاظًا قرآنية لا تكاد تفترق في القرآن، وهي من عادات القرآن واطراداته، من مثل: الجنة والنار، والرهبة والرغبة، والنعيم والعذاب، والطيِّب والخبيث، والنفع والضّر، والجائر والمقتصد، وأنه ما جاء بوعيد إلا أعقبه بوعد، وما جاء بنذارة إلا أعقبها ببشارة. وقد تابع القرآنَ في اطراداته الأسلوبية هذه كثيرٌ من الشعراء القدامى والمحدَثون، فجاؤوا بهذه الألفاظ متجاورة مع أن للشِّعْر قوانينه وأوزانه التي تختلف عن الأسلوب القرآني النثري، فكان أن استثاروا مكامن الشعور الجمعي في نفوس المتلقِّين، وكان أَنْ أحدثوا التأثير المراد من الإتيان بالمفردات التي تعتمد على عنصر المفارقة والتضاد.

الطباق في إطار التصوير القرآني:

لقد نبّه البلاغيون إلى توفّر القرآن على شيء من الطباق بصورته الطبيعية المؤثرة والموحية، ولكنهم -ونتيجة للمنهج الذي اتبعوه في الفصل بين علوم البلاغة الثلاثة- لم يقفوا عند السياق الذي وردَ فيه الطباق في القرآن، ولم يلتفتوا إلى العنصر التصويري الذي أحاط بكثيرٍ من مواضع الطباق فحقّق الهدف القرآني العامّ. هذا الهدف الذي أجمع العلماء والمفسِّرون على أنه الدعوة إلى اتباع الهدى، وتحقيق المقاصد الإلهية من خلق الإنسان، ومنحه درجة الخلافة في هذه الأرض. ولهذا فليس صحيحًا أن يكون وُكْد الباحث أو المفسِّر أو العالم أن يُعنى بالملاحظ البلاغي وحده، أو الجانب العلمي وحده، أو الإشارات الصوفية وحدها، أو الإعجاز العددي وحده، بل يجب أن تكون هذه الملاحظ كلّها، والمناهج كلّها في إطار من تحقيق غايات القرآن وأهدافه في هدي البشر، وحملهم على اتّباع الصراط القويم، وتطبيق الشرع الإلهي الذي تضمَّنه القرآن وعبَّر عنه بأساليبه المتنوعة وعِبَره المتنوعة.

ونحن في دراستنا هذه لم نكن لنقف عند مادة الطباق وحدها على كثرتها في القرآن، ولا على مادة الصورة على الرغم من أن التصوير هو الأداة المفضّلة فيه، ولا عندهما مجتمعتَيْن، إلا في إطار من الهدف القرآني الداعي إلى الهدى والاستقامة، ونبذ الضلال والانحراف عن الفطرة التي فُطر الناس عليها.

ولنتأمّل في بعض النماذج القرآنية التي يتعانق فيها التضاد والتصوير في إطار هذا الهدف.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 26، 27].

لو طُلب منّا أن نستخرج الكلمات المتطابقة (المتضادة) في هذا النصّ القرآني لما زِدنا على القول إنها (تؤتي، تنزع. تعز، تذل. الليل، النهار. الحيّ، الميت)، وهذا لن يخدم النصّ القرآني بأكثر من هذا الإحصاء.

إنّ الآيات الكريمة السابقة جاءت تدليلًا على قدرة الله وعظمته سبحانه، فهو القادر على العطاء والمنع، وهو القادر على الإعزاز والإذلال في مجال علاقته بخَلْقِه من البشر، وهو نفسه القادر على إدخال اللّيل في النهار وإدخال النهار في اللّيل، وهو القادر -كذلك- على خَلْقِ الحياة من الموت والعدم، والقضاء عليها بأمره، هذا في مجال علاقاته بمخلوقاته في الكون كافة.

ويذهب الفخر الرازي إلى فهم أعمق للقدرة الإلهية؛ فالمُلْك عنده هو القدرة، والمَالِك هو القادر: «فقوله: مالِك المُلْك، معناه: القادر على القدرة، والمعنى: أنّ قدرة الخَلْق على كلّ ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى». ومن مظاهر هذه القدرة الشاملة الواسعة أنها تجمع بين الضدين، فهو سبحانه القادر على الشيء وضدّه، المنع والعطاء، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، ولا يقدر على ذلك إلا هو سبحانه، فقد يستطيع الإنسان أن يُعِزّ، ولكنه لا يستطيع أن يُذِلّ، وقد يقدر على العطاء، ولكنه غير قادر على المنع، وهو غير قادر -طبعًا- لا على الإحياء ولا على الإماتة.

من هنا جاءت وظيفة الجمع بين الأضداد التي لا يقدر على الجَمْع بينها إلا القادر على القدرة وحده. ويعقّب الزمخشري على قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، بقوله: «ثم ذَكر قدرته الباهرة بذِكْر حال اللّيل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب؛ دلالةً على أنّ مَن قَدر على تلك الأفعال العظيمة المحيّرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده...». وهذا ما يسميه علماء البلاغة بـ(مبالغة التكميل)، أي أنّ هذه الخاتمة جاءت مترشحة من الآيات السابقة ومتعانقة معها، ومضيفة دلالة جديدة على دلالتها السابقة.

على أنّ هذا الحشد بين المتضادات الدالة على قدرة الله لا يأتي خاليًا من أداة التصوير، فعملية إدخال الليل في النهار، وإدخال النهار في الليل عبّر عنها بالإيلاج، والإيلاج يتمّ بشكلٍ بطيء مثلما نشهده من غياب النهار ومجيء الليل بما يمهّد له من ضوء وظهور طلائع الظلام. ولعل (يولج) هذه تذكّر بقوله تعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس: 37]، بما في عملية السَّلْخ من بطء ومن دلالة على التصاق الجلد باللحم، وكأنَّ اللّيل ملتحم بالنهار، وتتمّ عملية سلخ أحدهما من الآخر! فيأتي ظلام بعد نور، أو يأتي نور بعد ظلام. ولعلّ عملية الإخراج تشبه الإيلاج أو السَّلْخ، وفيها دلالة على الحركة وتنشيط لملَكة التخيّل أكثر من الخَلْق أو الجَعْل. فكيف تتم عملية (الإخراج) هذه، ذلك ما يُترك وشأن المتلقي لهذا البيان الرباني العظيم. والذي نريد الإشارة إليه هنا هو هذا التصوير الذي تخلّل حشد المتضادات، وهذه المتضادات التي استعانت بالتصوير، كلّ ذلك من أجْلِ بيان قدرة القادر على ما لا يقدر عليه أحد، والقادر على إثارة النفس الإنسانية بعظيم صُنْعِه. فكان التضاد والتصوير معًا في خدمة بيان القدرة الإلهية العظيمة.

والنظر إلى هذا النموذج يمكن أن يتمّ في مستويات أخرى من التناسق والانسجام التعبيري والصوتي من خلال هذا التساوي في طول الآيات، وتكرار الحروف المتولّد من تكرار المُلْك والمالِك، واللّيل والنهار، وتُولِج (مرتين)، وتُخرِج (مرتين)، و(الحيّ) مرتين، و(الميت) مرتين.

وسوف تسلّمنا معاني الآيات السابقة من سورة آل عمران ومفرداتها إلى معانٍ ومفردات متشابهة فيها تضاد وفيها تصوير كذلك، من مثل: الإحياء والإماتة، والليل والنهار، والنور والظلمات.

قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122].

فالإحياء والإماتة غيرهما في الآيات السابقة من آل عمران، فهي ليست إخراجًا للحي من الميت، أو الميت من الحي بصورتهما في الطبيعة الكونية، بل إنّنا في مجال حياةٍ وموتٍ من نوع آخر. فالمراد بالميت هنا في سورة الأنعام (الضالّ) فقد شُبّه به واستُعير له، والمراد بـ(أحييناه): هديناه. يقول الدكتور محمد أبو موسى: «الآية... تذكر حالين أو مرحلتين من مراحل حياة الإنسان؛ المرحلة الأولى كان فيها ميتًا، وهو في الثانية حي، والواقع أنّ هذا الإنسان كان حيًّا في الحالين، حياة بمعناها المتعارَف، ولكنه كان منطفئ الفطرة، وسلامة النظر الراشد إلى معرفة الحقّ والخير والموصول بمصدر الكون والعدم، والموت هنا له مفهوم جديد ربما كان انغماس النفس في ظُلمة الحيوانية، وبقاء الروح مكفوفة الإدراك تخبط في الأرض من غير غاية نبيلة تسعى إليها لتسعد بها سعادة أبدية... الضلال له مفهوم جديد بهذه الاستعارة؛ لأنه لم يَعُد ضلالًا وإنما صار موتًا، كما أن الموت له أيضًا مفهوم جديد؛ لأنه ليس إبطالًا للأحوال الجسمية، وإنما هو إبطال للطاقات الروحية».

هذا التعامل مع اللغة بإخراج دلالتها من الأصل الوضعي إلى دلالات جديدة بضرب من التوسّع على سبيل الاستعارة ذات الأصل التشبيهي، فتُستعار الحياة للإيمان، والموت للكفر، وهما أمران عقليان، وهو أمرٌ قليل الورود في القرآن الذي غالبًا ما يعمد إلى تقريب المعنوي بالحسِّي المشاهد.

وهاتان الاستعارتان في الجزء الأول من الآي توظّفان في سياق من التشبيه بين حالة الحيّ من بعد موت، فيكون له نور وهدى يهتدي به في مشيه، وحالة مَن يخبط في الظلام دونما نهاية لخبطه.

هذا التصوير المتشابك كان للتضاد فيه بين الحياة والموت والنور والظلمات وظيفة تعميق المعنى في قلب المتلقِّي وإشراكه في الحُكْم وإبداء الموت، خاصّة وأن السياق جاء في أسلوبٍ استفهامي (وهو من عِلْم المعاني، العلم الثالث من علوم البلاغة مع البيان والبديع)، يفترض أن تكون له إجابة ضمنيّة نفسية ليست تقريرية واقعية، وهو استفهام دالٌّ على النفي لأنْ يكون الموتُ والحياة سواءً، والنور والظلمات سواء!

ويأتي اللّيل والنهار في إطار من التصوير في كثير من آيات القرآن، وهما يَرِدان بكثرة فيه، وغالبًا ما يأتيان متجاورَيْن في سياق واحد، وقد بلغ عدد المرات التي ذُكِر فيها اللّيل اثنتين وتسعين مرة، وعدد المرات التي ذُكِر فيها النهار أربعًا وستين مرة.

ومن أمثلة التصوير فيها: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، يقول الزمخشري في تفسير هذه الآية واضعًا يده على ما فيها من تصوير: «التكوير: اللّف واللّي، يُقال: كار العِمامة على رأسه وكوّرها؛ وفيه أوجه: منها أنّ الليل والنهار خِلفة يذهب هذا، ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولفَّ عليه، كما يُلَفّ اللباس على اللابس... ومنها أن كلّ واحد منهما يغيب عن الآخر إذا طرأ عليه، فشبّه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لفّ عليه ما غيّبه عن مطامح الأبصار. ومنها أن يكرّ هذا كرورًا متتابعًا، فشبّه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض»، وهو في هذه الأوجه كلّها لا يبتعد عما في (يكوّر) من أصل تشبيهي، سواء جاء من اللباس أو العمامة أو الكرّ والتتابع.

وهذا من اطرادات القرآن وعاداته التصويرية حين يتناول التضاد بين مفردتَي الليل والنهار؛ ليدلِّل بهما على قدرة الله سبحانه في الخَلْق والجمع بين المتضادّات، وليربط بين الوجود المادي في الكون وبين الحياة الإنسانية، إِذْ إنّ كلّ ما في الطبيعة إنما هو نعمة ممهّدة لهذا الكائن الجميل المحبَّب عند الله (الإنسان).

انظر إلى قوله تعالى في هذا المجال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النمل: 86]. ويتكرّر هذا السّكن في الليل، وجَعْل النهار مبصرًا في سورة يونس: 67، وفي سورة غافر: 61، وفي سورة الإسراء يختلف التعبير فيكون: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 12]، فكيف يكون هذا التعبير التصويري (وجعل النهار مبصرًا)؛ كيف يكون النهار مبصرًا، والإبصار لأهله على سبيل المجاز، كما يقول البلاغيون. أهو نوع من التقابل في المعنى وليس في اللفظ كما يقول الزمخشري؛ لأنّ معنى مبصرًا (ليبصروا فيه). أم أنه لون آخر من التضاد ليكون الإبصار في النهار مقابلًا للسّكن في الليل، بما في السكن من دلالة على النوم؟ وهكذا يكون التعاقب بين المتضادات في جوٍّ من التعبير غير مباشر، وفي جوٍّ من التصوير بديع.

ونتجاوز هذا النمط من الطباق البياني الذي يعتمد على مفردات مُحاطة بألوان من التصوير إلى نوع آخر من تضاد المعاني، وهذا ما سوف نجده في المثل القرآني.

أمثال القرآن بين التضاد والتصوير:

ليستْ أمثال القرآن كلّها سواء في صيغها ولا في دلالاتها ولا في وضوحها وغموضها، وليس من مهمّتنا في هذا البحث استقصاء هذا، ويهمّنا أن نُشير إلى أنماط ثلاثة من الأمثال دالّة على تضادّ في المعاني، ومفارقات في الفهم والسلوك الإنسانيَّين. أمّا التصوير في المثل القرآني، فلا يحتاج إلى مزيد أدلة؛ لأنه في أغلب أحواله صورة مجسّدة للمعاني والأغراض التربوية الهادفة إلى بناء الإنسان وتكامله.

النمط الأول: وهو الذي تَرِد فيه كلمة (مَثَل) في البداية، ويمكن أن يُفهم منها أنها (الشأن)، أو (الحال)؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 261- 264].

أي: شأنُ مَن ينفق في سبيل الله، كشأنِ الحبة... وقد أوْرَدْنَا هذه الآيات على طولها ليتبيَّن عُنْصُرَا التضاد والتصوير، فالتضاد بين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، فيباركها الله ويضاعفها، والذين ينفقون رئاء الناس ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، حيث يَمْحَقُ الله ذلك الإنفاق ولا يَتْرُكُ له أثرًا. وهذا المعنى الطباقي (المتضاد) صاغته الآيات في إهاب من التصوير جميل، وفي صياغة من التعبير مثيرة. فالمشاهَد للعيان أنّ الحبة قد تنبت سبع سنابل وفي كلّ سنبلة مائة حبة، وفي هذا إغراء للمنفقين في سبيل الله، بهذا المثل الذي قُرِن بالدليل. وفي هذا إيحاء إلى أنّ قلوب أولئك المنفِقين في سبيل الله قلوب خِصبة ومعطاءة ومباركة؛ ولذلك كانت ثمار إنفاقهم خِصبة ومعطاءة ومباركة كذلك.

وفي الطرف الثاني المضاد من التصوير نجد ذلك المرائي الذي شُبِّهَت حالة إنفاقه بالحَجَر الأملس عليه شيء من التراب، فأصابه مطرٌ عظيم، فأذهب ذلك التراب القليل، فظهرت صلادته عارية وبدَا كالحًا ناشزًا. وفي هذا إيحاء آخر إلى غفلة قلب المنافق وبلادته وخلوّه من الخير والجمال، فهو سائر من ضعف إلى ضعف حتى ينتهي إلى زوال.

على أن هذا النوع من التصوير في فنّ التشبيه ليس من النوع الذي نصطلح عليه بتشبيه الصورة الذي يكون المشبه فيه صورة، والمشبه به صورة، بل إننا أمام تشبيه كامل بطرفيه إزاء تشبيه آخر بطرفيه. المؤمنون وإنفاقهم في تشبيه كامل، والمنافقون وإنفاقهم في تشبيه آخر.

النمط الثاني: ويكون فيه التعبير بذِكْر المَثَل اسمًا نكرة، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ويكون بمعنى (دليلًا) أو (قصة) أو (إيضاحًا) أو (شبيهًا)، والآية: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29].

فالمعنى المتضاد يتمثّل بحالة العبد الذي يملكه شركاء متعدّدون، فهم مختلفون في أمرِه وتوجيهه، وهو حائر بين أوامرهم المتعدّدة المتناقضة، وحالة العبد المتضرِّع لسيِّد واحد لا تتعارض أوامره، وهو لا يجد حرجًا في الاستجابة لها. وقد ضُرِب الأول مثلًا لعبيد الأصنام، والثاني مثلًا لمن يعبد الله وحده. والصورة تتمثّل بهذا التشبيه بين حالة العبدَيْن والسيدَيْن، وإنْ طُوِي ذِكْر المشبه وبقي المشبه به دالًّا عليه. وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76].

وقد جاء هذا الطباق البلاغي لرصد لا معقولية الاستواء والتشابه بين حالتين متناقضتين؛ العبد الذي تتنازعه إرادات متعدّدة، والعبد الذي يستسلم لسيِّد واحد؛ وبين الأخرس الأبكم الذي يعجز عن فعل أيّ شيء، وبين القادر العادل الخالق البارئ المصوّر. وقد جاء الاستفهام في الآيتَيْن ليعمِّق الانتباه إلى هذا التضاد والتناقض الصارخ، ويهزّ مشاعر المتلقِّي ويستفزّ ملَكاته الشعورية والعقلية.

النمط الثالث: ويمثّله قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

في النمط الأول والثاني اللّذَيْن مرّا علينا كنّا إزاء حالتين يقوم التشبيه بوظيفة المقارنة بينهما لتقريب المعنى وإيضاحه، ولكنّنا في هذا النمط الثالث نحتاج إلى خطوة أعمق في الفهم؛ لأن التعبير جاء على سبيل الاستعارة، والاستعارة أكثر إيجازًا وتعتمد على التلميح أكثر من الإيضاح. ونحن أقرب ما نكون إلى الصور الرامزة إلى معانٍ بذاتها، حيث ننتقل معها من المحسوس المُشاهَد إلى المعقول المجرّد. فقد استُعير الماء للخير والزَّبَد للشرّ والباطل، وكان شأن الخير الثبات والاستقرار والرسوخ، وهكذا شأن المعادن في رسوبها، وكأنَّ شأنَ الشر الزوال والتلاشي مع بهرجته وظهوره، وكذلك شأن الزبَد الطافي على سطح الماء. والنصّ محتمِل لمعانٍ وإيحاءات متعدّدة يستجيب لها الحِسّ الجمالي والأدبي. فهذا الأستاذ فخر الدين عامر ينظر للصورة من جانب آخر فيقول: «فهذا التمثيل يوضّح كيف يجتمع الحَقّ والباطل ولا يمتزجان، بل يتميز كلّ منهما عن الآخر ليأخذ طريقًا يناسبه يعلن فيه عن حقيقته. فالباطل كالزّبَد الذي يعلو السيل هائجًا مخادِعًا، لكنه لا يستقرّ في أرض، ولا ينتفع به زرع، بل هو رغوة فارغة زائلة، والحق كالماء وجواهر المعادن تستقرّ في الأعماق مثرية مخصبة...».

أترانا نسير منفعلين بهذا التصوير الرامز إلى المعاني، وننسى الإشارة إلى التضاد والتناقض بين هذه المعاني... المعادن الراسبة الباقية المفيدة، والزّبَد الزائل الخادِع، الخير في قوّته ورسوخه ونفعه، والشّر في زواله، ومظهره الكاذب وضرره. ومنذ البداية قلنا: إنّ علم البيان وعلم البديع يتعاونان على إبراز المعنى المراد، ويُعينان على بلوغ التأثير في القلوب والنفوس.

وللتأكيد على أن هذا النمط الثالث يحتاج إلى مزيد تأمُّل للكشف عن المعنى الثاني، أو معنى المعنى كما يسمِّيه عبد القاهر الجرجاني، ولعلّ هذا يعود إلى السياق الاستعاري الذي أشرنا إليه، وهو يختلف عن التشبيه في وضوح دلالاته.

ولنضرب هذا المثل الرامز في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: 58]، فالظاهر الذي يتبادر إلى الذهن هو هذه الأرض الخصبة التي يخرج نباتها ممرعًا كثيفًا يسهل الانتفاع به، وهذه الأرض الكالحة السّبخة التي لا يكاد نباتها يخرج إلا بعُسْر، ولا يكاد الناسُ ينتفعون به. والذي يُعين على هذا المعنى الظاهر السياقُ الذي وردتْ فيه الآية، فهي جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ...﴾ [الأعراف: 57]، ولكن الحِسّ العربي منذ فترة نزول القرآن يلتفت إلى المعاني الخفية التي يومئ إليها التعبير القرآني. فهذا ابن عباس يرى أنّ البلد الطيِّب والبلد الخبيث «مثلٌ ضربه اللهُ تعالى للمؤمن والكافر، فأخبر بأنّ الأرض كلّها جنس واحد إلا أنّ منها طيِّبة تلين بالمطر، ويحسن نباتها، ويكثر ريعها، ومنها سبخة لا تُنبت شيئًا، فإنْ أنبتَت فلا منفعة فيه، وكذلك القلوب كلّها لحمٌ ودمٌ، ثم منها ليِّن يقبل الوعظ، ومنها قاسٍ جافٍ لا يقبل الوعظ». عِلْمًا بأن النصّ لم يُشِر إلى كلمة (مثَل)، ولكن الصورة الاستعارية للمعنى الثاني لا تتعارض والمعنى الأول ولا تتضاد.

وهكذا يوظّف التصوير بإيحاءاته ودلالاته المتعدّدة في خدمة المعنى الذي يقوم على التضاد. فالتضاد وحده لا يعبِّر عن عمق حِسّ، ولا شفافية شعور ما لم يوضع في سياق بلاغي تقوم أدواته على التعبير غير المباشر، بما فيه من إثارة ودعوة للتأمّل وإطلاق ملَكات التخيّل والتفسير. ولقد ذهبَت أدراج الرياح تلك الأنواع من (الطباق) التي أُغرم بها بعض شعراء الصّنعة، فكانت كالزّبَد الرابي الذي ذهبَ جُفاء ولم ينفع الناس.

أقول: إنّنا وقفنا عند بعض آيات المثَل القرآني بشكلٍ خاصّ، وإن لم يكن قصدنا استيفاءها، فهي مصوغة صياغة تصويرية، وهذا جانب من هدفنا من هذا البحث، ثم إنّ بعضًا منها -ولعلّه الغالب- جاء معبِّرًا عن معانٍ متناقضة متضادّة رصَدها القرآنُ ليوجِّه بها الإنسان إلى معاني الخير والصلاح والرشاد، وينأَى به عن سلوك الضلال والزيغ والفساد. وقد يرِد المثَل القرآني في الصفحات الآتية منظورًا إليه من غير الجانب السابق.

رَسْم المشاهد والطباق البياني:

أشرنا إلى أنّ من اطرادات القرآن وخصائصه أنه يقرن المعاني المتعارضة في سياق واحد ليتعمّق الوعي الإنساني بالمعنى من خلال ضدّه، فهو حين يذكر الجنة يذكر النار، وحين يتحدّث عن صفات المؤمنين يعقِّب عليها بصفات الكافرين أو المنافقين، ويتعرّض إلى مصادر هذه النماذج البشرية سواء في الدنيا أو الآخرة. وقد يشير إليها باللّفظة الواحدة، أو اللمحة السريعة، وقد يصوّرها بمشاهد حية. وقد تكون هذه المشاهد معاينة في حياتنا الدنيا، وتكون متخيَّلة في الآخرة، ومقيسة على ما نرى ونحسّ في هذه الحياة. وهذه المشاهد عامرة بالتصوير والحركة، مثيرة لمكامن الحسّ الإنساني، بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى. والحقّ أنّ رصد هذه الحالات قد يضخم هذه الصفحات، ونكتفي إلى الإحالة إلى آيات سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ... وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ من آية 27 إلى 56. بما فيها من تصوير لأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وكأنَّا أمام مناظر نراها بأعيننا اليوم فيخبت القلب المؤمن لها خاشعًا، ويزداد القلب الضال قسوة وبُعدًا عنها. ومثلها آيات سورة الحاقة ابتداء من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الآيات: 18- 24]، إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [25- 37]، ومثلها الانشقاق: [7- 15].

وقد يَرِد رسم هذه المشاهد المتضادّة في القصص القرآني حين يصوّر أحوال الصالحين وأحوال المعانِدين، كقصة الرّجُلين في سورة الكهف؛ الرجل الغني الطاغي المغرور بأمواله وأولاده، وقصة الرجل المؤمن الفقير الواثق بما عند الله؛ [الآيات: 32- 45]. وقد يكون رسم المشاهد بذلك الذِّكْر الدائم لصفات المؤمنين وصفات الكافرين، أولئك: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ...﴾، وهؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 20- 25]. كلّ ذلك التضاد في سياق تصويري يهدف إلى تعديل السلوك الإنساني، فلا يذكر هذا التناقض إلا من أجلِ تجاوزه وإصلاحه ليكون العمران في هذا الكون هدفًا من أهداف وجود الإنسان في الأرض.

لم نَشَأ الوقوف عند تلك المشاهد على غناها وتمثيلها لما نريد رصده من تصوير المتناقضات والمتضادات من المعاني والمحسوسات، وقد اكتفينا بالإشارة إلى بعض مظانّها في القرآن. ونودّ أن نقف عند بعض المشاهد الجزئية التي تمثّلها الآية أو الآيتان، ولكنها تبقى مشاهد حيّة مكثفة مصوّرة للمواقف والصفات المتضادة.

لنَعُدْ إلى آيات سورة البقرة التي وقفنا عند بعضها وهي الواصفة لإنفاق المؤمنين وإنفاق المرائين، ولنقف عند الآيتَيْن اللتَيْن لم نقف عندهما آنذاك، وهما قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [265- 266].

عرَضْنَا إلى هاتين الآيتين في هذا الموضع لتصويرهما مشهدًا متكاملًا، خاصّة حينما يتملّى النظر والقلب معًا في حالة ذلك المخلوق الذي يصيبه الوهن والضعف بعد القوة والغنى، فيجد نفسه أمام رمز ثروته، ذلك البستان أو الجنة التي تعاورها الفناء من كلّ جانب، وهو واقف أمامها يصيح به داعي الكِبَرِ والعَجْز، ولا يقدر أن يردَّ عنها الإعصار أو الاحتراق. إنها خيبة ومآل خاسر، ذلك الذي يقفه مثل ذلك الرجل، وإنها لعِبرة لكلّ ذي قلب وذي عينَيْن، والذي زاد المشهد شحنة عاطفية الذرية الضعفاء الذين يقفون بين يديه وهو يرنو إلى من يعيلهم من بعده. وواضح لديك هذا التضادّ في الحالات والألوان، حالة الجنة الرابية التي أصابها الغيث فأمرعت من كلّ جانب، وحالة الحَجَر الأملس الصّلد في الآية التي قبلها، وحالة هذا الرجل بين شبابه وقوّته وبين ضَعفه وعَجزه، وهو أمام جنّته الأُولى زاهيًا مفتخرًا، وأمام جنّته الثانية لا يملك حولًا ولا قوة.

ونريد أن نشير هاهنا إلى نوع من اطرادات القرآن وعاداته في التصوير؛ أنه يعمد إلى التفصيل في المشبّه به بما يلقي مزيدًا من الضوء على أحوال المشبّه. وهذا شيء يختلف عن استطرادات الشاعر الجاهلي حين يسهب في وصف المشبَّه به في مثل تلك الحالات التي يصوّر الناقة أو البقر الوحشي الذي يشاهده، أو غير ذلك من مشاهد الصحراء.

وقد لاحظنا هذا في الآيتين السابقتين حين وصفت الجنة بربوتها، وحين ذكرت حالة الرجل الكبير أمام جنّته المحترقة. وحالته هذه إنما تمثّل المشبه به الذي يرمز إلى حالة مشابهة مسكوت عنها، وهي حالة الواحد منّا حين يُحاط به في كِبَرِه وهو لا يملك حسنى ولا عملًا مباركًا. ويمكن أن نشير هنا إلى وصف القرآن للكلمة الطيِّبة التي تشبه شجرة طيِّبة، فلم يقف عند هذا بل قال: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾، وقال عن الشجرة الخبيثة التي شُبّهت بها الكلمة الخبيثة بأنها: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 24- 26]. ولعلّ في آية النور من سورة النور دليلًا على هذا النوع التفصيلي من المشبه به، [آية: 35].

وواضح أنّ ما أشرنا إليه من تصوير في آيات سورة إبراهيم السابقة إنما جاء في سياقٍ من رسمِ المتضادات من المعاني، والمتضادات من مشاهد الكون والآثار الطبيعية التي يُعَدّ الشجر أحدَ معالمها. وهذا اطراد آخر من اطرادات القرآن التصويرية، حيث توظّف مظاهر الكون الحسية من شجر وجبال وأنهار وبحار لتصوير أحوال النفس ومنازع الإنسان؛ من قوة وضعف، وبقاء وزوال، وظهور وخفاء، وصدق وتمويه.

التضاد الخفي:

لقد تحدّث البلاغيون عن هذا النوع من الطباق وسمّوه إيهام التضاد، وهو أن يؤتَى بلفظَيْن ليسَا متضادّين ظاهرًا، ولكن معناهما يومئ إلى التضاد، كقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، فـ(رُحماء) ليست ضد (أشدّاء) -كما يرون- لأنّ ضدّ الشدة اللِّين، ولكن الرحمة مسبَّبة عن اللِّين؛ ولذا كان هذا طباقًا ولكنه بخفاء وتلميح. وعدّ ابن المعتز من المطابقة قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، وواضح أنّ القصاص ليس ضد الحياة لفظيًّا، ولكن، بما أن القصاص يعني القتل والموت كان ضدًّا للحياة، وإن كان هو حياة بذاته. قال ابن رشيق: «وهذا من أملح الطباق وأخفاه».

ويهمّنا في مجال بحثنا الطباق إذا تمخّض عن صورة وكان متعاضدًا معها في إطار واحد يبلغ بالمعنى مداه وغايته من حيث التوصيل والتأثير والاستجابة، وفي هذه المرّة سنكون مع تضاد غير ظاهر، كما سنلاحظ.

انظر إلى قوله تعالى في سورة نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [الآية: 25].

أي: بسبب خطيئاتهم، فالذي يقابل الإغراق هو الإحراق، ولكن لمّا كانت النار تسبِّب الإحراق، كان ذكرها كافيًا لاستحضاره مقابلًا للإغراق. ومما يثير الدهشة ويستفزّ الحِسّ تحوّل هذه الأجساد البشرية من الماء إلى النار، وبطريقة خاطفة (أُغرِقُوا، فأُدخِلُوا)، بالفاء الدالة على الترتيب السريع الملاصق، وللخيال أن يذهب كلّ مذهب في هذا المجال، فكيف تمّت عملية النقل هذه من الماء إلى النار، أهي من الطوفان الذي عَمَّ قوم نوح المكذِّبين إلى يوم الحساب مباشرة دونما مُهلة؟ وهذا الأمر تم مع قوم نوح خاصّة لأنهم أُغرقوا بالماء. وما شأن فرعون وما حاله في مجال هذا التخيّل الذي يطلق القرآنُ عنانه، وينتهي به إلى قرار من الاتعاظ والمراجعة!! تخيُّلٌ فيه ترعيب، وتضاد بين ماء ونار دون تمهيل، فيه هزة عنيفة لمن جاء بعد تلك الأقوام من قرون وجبلّات حتى قرننا هذا وجبلّتنا هذه، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

ومن دقائق المعاني المتضادة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]. إنّ الله لا يترك ضرب المثل بالأشياء الصغيرة للأحوال التي تناسبها من الحقارة والضعف، كما جعل الذباب والعنكبوت والبعوض مثلًا للآلهة الضعيفة الواهنة الحقيرة، كما أنّ الأمور الجليلة والعظيمة يضرب لها ما يناسبها من العظمة والجلال. وفي هذا ردٌّ على الكفار الذين قالوا -طعنًا في القرآن- بأنّ الله يستحيي أن يذكر هذه المخلوقات الحقيرة، فجاء الردّ بأنه يذكرها، ويذكر ما هو أكبر منها، بخلاف الموحِّدين الذين يعلمون أنه الحق من ربهم. وفي جوّ هذا التضاد المشحون يأتي التعقيب الذي يحمل تضادًا آخر: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، بين يضلّ ويهدي في سياق: فأمّا الذين آمنوا...، وأمّا الذين كفروا...، ومن الطريف تعقيب أحد المعاصرين على هذه الآية بقوله: «في هذه الآية الكريمة مثلٌ ضُرِب للدنيا وأهلها؛ فإنّ البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت. كذلك أهل الدنيا، إذا امتلؤوا فيها هلكوا...»، وهكذا يأتي الإيحاء المتولّد من ظلال الأضداد مشحونًا هو الآخر بألوان من التضاد؛ كالشبع والجوع، والحياة والموت!

ولقد أشرنا مِن قبلُ إلى أن الأمثال عامرة بالتصوير المقرِّب للمعاني المجردة.

ومن الأمثلة التي تَرِد فيها المفردات على غير ما هو معهود من التقابل: فالمعلوم أن ضدّ العلم الجهل، وضدّ العمى الإبصار، ولكن التعبير القرآني يجيء على هذه الشاكلة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19].

حيث يقابل بين يَعلم وأعمى، أي بين العلم والعمى، وما هما بمتضادتين لفظًا، ولكن الجهل الذي هو ضدّ العلم، يشبَّه صاحبه بالأعمى لأنه لا يقوى على التمييز بين الحقائق، ولا شك أن العمى هنا منظور إليه بمعناه غير الحسِّي، إِذ المراد به الجهل أو الضلال، وهما ضدّان للعلم والهدى. وقد جاء السياق محتضنًا للتصوير؛ إِذ استنكر أن يكون المهتدي الذي يمشي على بصيرة من ربه، كالضالّ الذي يخبط في ظلمات الجهل والضلال.

وأخيرًا تستلفتنا آيات قرآنية مصوِّرة لحالات الكفار، من مثلِ قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً...﴾ [النور: 39]، وما على شاكلته في القرآن، دون تعقيب بالحديث عن صفات المؤمنين، ألا يكون في هذا نوعٌ من القطع أو الحذف الدالّ عليه السياق. ومعلوم أنّ في القطع أو الحذف استثارة للمتلقي وإشراكًا له في عملية التوقّع والاحتمال. وهو الذي قال عنه عبد القاهر الجرجاني بأنه: «باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسِّحر؛ فإنك ترى فيه تَرْكَ الذِّكْر أفصحَ من الذِّكْر، والصمت عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطِق، وأتمَّ بيانًا إذا لم تُبِنْ».

وهو في هذه المرّة ليس حذفًا لكلمة من نوع الفاعل أو المفعول به أو المضاف أو الصفة أو الموصوف، بل حذف لمشهد كامل، أو مقابل لحالة معينة. فماذا ترى يكون ما يقابل صفات الكافرين الذين تكون أعمالهم كرمادٍ اشتدّت به الريح في يوم عاصف، أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، ماذا سيقابل هذه الصفات أو الأحوال التي تنتظر المؤمنين، وهي أحوال مسكوت عنها في هذا الموضع. وهي قَطعًا مخالفة تمامًا لأحوال الكفار.. يكفي للمؤمنين أن يقول الله عنهم بأنهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8].

ورضا الله ما لا يستطيع بصر أن يتخيله، أو قلب أن يستشعر مداه وعظمته. يكفي أنه رضا.. أمّا رضاهم هم، فيمكن تصوّر حَدّه، بما يصل حدّ الاكتفاء وبلوغ النهاية.

ومهمّ جدًّا أن نؤكّد هذا التعانق بين التضاد والتصوير، فأحوال الكافرين لم تذكر مجرّدة أو مسرودة بطريقة مباشرة، بل جاءت مصوّرة كأروع ما يكون عليه التصوير، وبهذا يمكن أن يستغرق الذّهن أو القلب في رسم صور أخرى مغايرة لأحوال المؤمنين، وهو مدى واسع لا يكون له حَدّ.

الخاتمة:

ليس ترفًا أن نعيد الحديث عن الطباق والبيان، وقد تحدثَتْ عنهما كتب البلاغة قديمًا وحديثًا بما يغني، بل هو منهج نتوسم فيه الثراء والغناء للبحث البلاغي، لأنّ فنّ القول لا يعتمد على نوع بلاغي واحد لبلوغ مراده، بل قد يعتمد على كثير من الأنواع البلاغية والأدوات التأثيرية من موسيقى وعاطفة لبلوغ هذا المراد.

ونحن قرَنَّا بين فرع من علم البديع وهو (الطباق)، وفروع علم البيان من تشبيه واستعارة، ولاحظنا ما يتحقّق للنصّ من مدى تأثيري واسع. ولو كان المنهج يضم إليه العناصر البلاغية الأخرى لكان أجدى. وهذا يكون حين يتناول الباحث نصًّا واحدًا ويسلِّط عليه الأضواء الفكرية والعاطفية والفنية كلّها، فيستجلي مكامن شكله ومضمونه.

ولعلّ الحديث عن فكرة الإعجاز القرآني لا تتجلّى في نصّ واحد، ولا في آية واحدة، ولا في مجموعة من الآيات إلّا إذا كانت في وحدة متكاملة أو سورة كما عَبّر عنها القرآن. وفي هذا النصّ لا يُكتفى بالإشارة إلى طباق هنا، أو صورة هناك، أو تقديم هنا أو تأخير هناك، بل يُستجلى المعنى القرآني كلّه من خلال أدوات التصوير والتعبير والاستثارة كلّها، كما أشار إلى ذلك الدكتور مجيد ناجي.

وحسبنا أن دللنا إلى خطوة في الطريق، وإلى استكمال الخطوات فليتنافس المتنافسون.

 


  1. ^

     نُشرت هذه المقالة في مجلة (كلية الدعوة الإسلامية) بالجماهيرية الليبية، العدد الخامس عشر، سنة 1998م، ص86 وما بعدها. (موقع ‏تفسير)

  2. ^

     ينظر: اللسان، مادة طبق، وعلم البديع، د. عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، ط1، 1985، ص‏‏76.

  3. ^

     الصناعتين، تحقيق: محمد عليّ البجاوي، ومحمّد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة المصرية، بيروت، د. ط، ‏‏1406هـ= 1988م، ص307.

  4. ^

     شرح التلخيص في علوم البلاغة، شرحه وخرج شواهده: محمد هاشم دويدري، دار الجيل، بيروت، ‏ط2، 1402هـ= 1982م، ص161.

  5. ^

     ينظر: العمدة في صناعة الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق، دار الجيل، بيروت، تحقيق: محيي الدين عبد ‏الحميد، ط5، 1401هـ= 1981م، (2/ 5).

  6. ^

     علم البديع، د. عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1405هـ= 1985م، ص77.

  7. ^

     العمدة (2/ 11- 14).

  8. ^

     علم البديع، د. عبد العزيز عتيق، ص90. وينظر: البديع، المصطلح والقيمة، د. عبد الواحد علام، مكتبة الشباب، القاهرة، ط1، 1989، ص72.

  9. ^

     البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية، د. محمد حسين أبو موسى، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ط، د. ت، ص179.

  10. ^

     شرح التلخيص، ص162.

  11. ^

     ينظر مقال الدكتور مازن المبارك: (البلاغة وتذوق النص الأدبي)، في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، الإمارات العربية، العدد 10، 1415هـ= 1995م، ص210.

  12. ^

     أسرار البلاغة في علم البيان، مكتبة الحلبي، القاهرة، د. ط، 1397هـ= 1977م، عُني بنشره: محمد ‏رشيد رضا، ص17.

  13. ^

     العمدة (2/ 11).

  14. ^

     البديع، د. عبد العزيز عتيق، ص92.

  15. ^

     العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، ناصيف اليازجي، دار بيروت، د. ت، (2/ 406).

  16. ^

     العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب (1/ 245).

  17. ^

     الصناعتين، ص267.

  18. ^

     ينظر: العمدة (1/ 259)، واطرادات أسلوبية في الخطاب القرآني، محمد إقبال عروي، دار الأمان، ‏الرباط، ط1، 1996م= 1417هـ، ص35- 38. وتنظر مصادره.

  19. ^

     ينظر كتابنا: أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، دار المعرفة، دمشق، ط1، 1985م، ص84 وما ‏بعدها.

  20. ^

     ينظر مقال: (تفسير القرآن: إشكالية المنهج والمفهوم)، للدكتور/ زياد الدغامين، مجلة المسلم المعاصر، ‏العدد 81، ص13.

  21. ^

     التفسير الكبير (8/ 81)، نقلًا عن البديع، المصطلح والقيمة، ص149.

  22. ^

     البديع، المصطلح والقيمة، د. عبد الواحد علام، ص149، 150.

  23. ^

     الكشاف، طبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1367هـ= 1948م، (1/ 317).

  24. ^

     ينظر، علم البديع، د. عتيق، ص82.

  25. ^

     التصوير البياني، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، ط1، 1398هـ= 1978م، ص252.

  26. ^ الصورة الفنية في المثل القرآني، د. محمد حسين الصغير، دار الهادي، بيروت، ط1، 1412هـ= ‏‏1992م، ص225. وهي إشارة سبق لأبي هلال العسكري أن أشار إليها، ينظر: الصناعتين، ‏ص240.

  27. ^

     الكشاف (3/ 24).

  28. ^

     الكشاف (2/ 462).

  29. ^

     ينظر: الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، محمود صافي، دار الرشيد، دمشق، بيروت، ط1، 1411هـ= 1990م، (3/ 50).

  30. ^

     ينظر: التصوير البياني، د. محمّد أبو موسى، ص112.

  31. ^

     ينظر مقاله: (التمثيل في المثل القرآني)، في مجلة الدعوة الإسلامية، العدد 3، 1986، ص186.

  32. ^

     مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1980، د. ط، مج 3، (8/ 84).

  33. ^

     تنظر اللمسات الفنية والنفسية الأخرى التي وقف عندها د. محمد أبو موسى، التصوير البياني، ‏ص114.

  34. ^

     شرح التلخيص، ص162.

  35. ^

     العمدة (2/ 9).

  36. ^ الكشاف (1/ 203).

     

  37. ^ الجدول (1/ 87).

     

  38. ^ دلائل الإعجاز، شرح وتعليق: محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة القاهرة، د. ط، 1983، ص178، وينظر كتابنا: الإعجاز القرآني: أسلوبًا ومضمونًا، دار المرتضى، بيروت، ط1، ‏1413هـ= 1993م، ص52.

     

  39. ^  في مقالة بمجلة الدعوة الإسلامية: (المدخل إلى دراسة الإعجاز القرآني)، العدد 13، ص145. 

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24746