الكاتب: علي عبد الحكيم
في حياة كلّ أمة أيام تعتز بها وتتذكرها دائمًا وتعلّمها لأبنائها، فيعرفون ماضيهم ويفهمون حاضرهم ويصنعون مستقبلهم في ضوء الدروس المستفادة منها، وقد قال تعالى: {وذكّرهم بأيام الله}[1]. ومن أعظم أيام الله ونعمه على أهل الإسلام يوم بدر؛ إذ إنه كان يومًا فاصلًا، ليس فقط في تاريخ الإسلام بل في تاريخ العالم كله، فقد فرّق الله فيه بين الحق والباطل، وأعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ فيه الشرك وأهله، وكان سببًا رئيسًا في ميلاد حقيقي لدولة الإسلام؛ فأصبح المسلمون من يومها قوةً كبيرةً مرهوبةً من جانب أعدائها. كما وضَحت بسبب بدر حقيقةٌ كبيرةٌ وهي أن الإسلام دين له دولة تحميه وتدافع عنه، ونظرًا لتلك الأهمية الكبيرة ليوم بدرٍ فقد علّق عليها القرآن تعليقًا مطولًا، وأفرد لها سورة الأنفال كاملةً، والتي نزلت للتعقيب على هذه الغزوة وأحداثها. وهذا ما يجعل من دراسة هذا التعليق القرآني وتتبع ما به من رسائل وإشارات أمرًا في غاية الأهمية.
وفى هذه المقالة سوف نسلط الضوء على بعض القضايا التربوية التي اهتم القرآن بإبرازها إبّان تناوله لهذه الغزوة، ونستعرض أبرز دلالاتها وأهم الدروس والعبر المستفادة منها، وذلك بعد أن نستعرض باختصارٍ أحداث الغزوة كما رواها أهل السِّيَر.
كان في حياة النبي -صلـى الله عليه وسلم- العديد من المغازي والسرايا، ولا شك أن ما تناوله القرآن منها وعلّق عليه له أهمية خاصة ومكانة مميزة تستدعي من المسلمين إطالة النظر فيه لاستخراج دروسه وفوائده، ومن ذلك غزوة بدر، والتي لم يعلّق عليها القرآن تعليقًا عابرًا أو مجملًا، بل أنزل الله تعالى في شأنها سورة كاملة هي سورة الأنفال، فعن سعيد بن جبير، قال: قلتُ لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال: «نزلت في بدر»[3].
وقد تناولت تلك السورة العديد من المشاهد المتعلقة بهذه الغزوة وما اتصل بها من أمورٍ كموضوع الغنائم والأسرى وعلقت عليها، ولفتت أنظار المؤمنين إلى العديد والعديد من القضايا والمسائل التي لها أثر عظيم في حسن تربيتهم وإعدادهم إبان تناولها للأحداث ومعالجتها لتفاصيلها. وغير خافٍ أن استعراض القضايا والأمور التي عني القرآن بإبرازها وتسليط الضوء عليها خلال معالجته لتفاصيل وأحداث غزوة بدر يحتاج إلى حديث مطوّل؛ ومن ثم فإننا سوف نجمل كلامنا على قضيتين اهتم القرآن بتسليط الضوء عليهما اهتمامًا كبيرًا، وشُغل بإبرازها شغلًا بيّنًا وظاهرًا أثناء تناوله لهذه الغزوة وما كان فيها من أحداث؛ لما لهما من دور كبير في تربية المؤمنين وإعدادهم، وفيما يلي بيانهما:
إنّ من أهم أسباب القوة والمنعة لأي مجتمع أو كيان هو الوحدة بين أفراده والترابط بين جماعاته؛ ذلك أن التفرق والاختلاف والتنازع يوهن القوة ويضعفها ويفضي إلى انهيار المجتمع وسقوطه، ومن ثم نلحظ في القرآن والسنة تأكيدًا كبيرًا على أهمية الوحدة والترابط بين المسلمين؛ ففي القرآن العديد من الآيات التي تؤكد على أهمية الاتحاد، ومن ذلك قول تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وكذا في السنة العديد من الأحاديث التي تحضّ على الوحدة وتؤكد على أن المؤمنين كالجسد الواحد[4].
والناظر في غزوة بدر وأحداثها يجد أن الصحابة الكرام بعد أن مَنّ الله عليهم بالنصر على قريش وقع بينهم تنازع واختلاف حول موضوع الغنائم/الأنفال وآلية توزيعها، وهو ما استهلّ القرآن حديثه به في بدء تعليقه على الغزوة في سورة الأنفال، حيث قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ...} [الأنفال: 1]. فعلى الرغم من أن التنازع حصل بين الصحابة -رضى الله عنهم- في توزيع الغنائم بعد انتهاء غزوة بدر وليس في أولها، إلا أن القرءان بدأ به حديثه عن يوم بدر؛ مما يؤكد على أهمية الوحدة بين المسلمين وعظيم أمرها وخطر الفرقة والتنازع.
والناظر في تعليق القرآن على مشهد اختلاف الصحابة بعد الغزوة يجد أنه عمل سريعًا على رأب الصدع والقضاء على أسباب الخلاف والتنازع بينَهم، وقد كان ذلك من خلال:
وبيّنٌ أن التذكير بالمقام العالي للمؤمن والصفات التي عليه أن يتخلق بها أمرٌ له أهميته وقوّته في رفْع النفوس والارتقاء بها وإعانتها بذلك على تجاوز أزمتها والتحرر من الخلل العارض الذي طرأ عليها والعودة بها سريعًا إلى ما يجب أن تكون عليه.
ولا شك أنّ الناظر في الصفات التي استعرضها القرآن هاهنا لا يجدها تمثّل سائر أجزاء الإيمان التي دلّت عليها نصوص كثيرة، ولكنها صفات لها أهميتها في مقام الاختلاف، وهو ما نبّه عليه صاحب الظلال، حيث قال بعد أن استعرض الصفات الواردة في الآيات: «تلك هي الصفات التي حدد الله بها -في هذا المقام- الإيمان... وهي لا تمثل تفصيلات الإيمان -كما وردت في النصوص الأخرى-؛ إنما هي تواجه حالة واقعة.. حالة الخلاف على الأنفال وفساد ذات البين من جرائها.. فتذكر من صفات المؤمنين ما يواجه هذه الحالة.. وهي في الوقت ذاته تعيّن صفات من فقدها جملةً لم يجد حقيقة الإيمان فعلًا، بغضّ النظر عما إذا كانت تستقصي شروط الإيمان أو لا تستقصيها. فمنهج التربية الرباني بالقرآن هو الذي يتحكم فيما يذكر من هذه الشروط والتوجيهات في مواجهة الحالات الواقعية المختلفة؛ ذلك أنه منهج واقعي عملي حركي، لا منهج نظري معرفي، مهمته بناء (نظرية) وعرضها لذاتها!»[6].
إنّ اهتمام القرآن بموضوع الوحدة ونبذ أسباب الفرقة في بداية السورة ومستهلّ تعليقه على أحداث الغزوة أمرٌ له آكد الدلالة على خطورة هذا الأمر وأهمية أن يلتفت المجتمع المؤمن إليه ويوليه قدرًا كبيرًا من العناية والاهتمام، فلا يسمح بظهور أسباب التفرّق والتنازع بين أفراده، ويجتهد سريعًا في رأب الصدع ووأد الفتن التي قد ترد في هذا الشأن؛ حتى لا تتقطع أواصر المودة بين المؤمنين ويفسد ما بينهم من اتصال ولحمة ومن ثم يكونون عرضة للهزيمة ولشتى الأمراض والعلل، وتاريخ المسلمين بوجه عام ناطق بخطر الوحدة؛ حيث يَبِينُ للناظر فيه سريعًا بأن جلّ المصائب والنكبات التي نالت من المسلمين قديمًا وحديثًا كانت بسبب التنازع والافتراق.
يقع الإنسان فريسة في كثير من الأحيان للغرور بعد إحراز التقدم والنجاح، وتزداد سطوة الغرور عليه والإعجاب بذاته، خاصة إذا كان هذا الفوز كبيرًا أو ذاك النجاح ضخمًا غير متوقع، ففي هذه الحالة تتعاظم النفس وتكبر وتمتلأ بالغرور حيث تشعر بفرادتها وتميّزها...إلخ، ولا شك أنّ سيطرة هذه المشاعر على النفس قد تُودِي بها فتقطعها عن ربها وتنسيها فضله عليها؛ فبدلًا من أن تتجه للشكر والتحميد والاعتراف بفضل الله واللهج بالثناء عليه وذكر توفيقه، فإنها تتجه إلى إبراز فضائلها ومكامن قوّتها، ولا تلحظ إلا ذاتيتها وما كان منها من بذل وجهد في تحصيل الفلاح الذي حازته، وهذه آفة قد تعرض النفس للفساد، وقد تقطع عنها استمرار فضل الله عليها ودوام توفيقه لها. كما أنّ هذه الآفة قد تعرّض صاحبها للدمار، وتقطعه عن الاستمرار في تحصيل أسباب القوة؛ حيث يركبه الزهو والغرور فلا يتجه لدراسة قصوره وتحسّس مواطن ضعفه ليقويها ويعمل على تعزيزها وإصلاحها. ومن هاهنا فإن الفلاح كلّ الفلاح في عدم الاسترسال وراء مشاعر الزهو التي يخلفها الانتصار وإحراز النجاح وضرورة مقاومته بشتى السبل؛ حتى يسلم للنفس السير في تحصيل أسباب قوتها وتكون محلًّا لتنزّل البركات والفضل من الله عليها، وهو الأمر الذي سعى القرآن إلى لفت الأنظار إليه والتأكيد عليه في غير ما موضع من تعليقه على أحداث الغزوة، ومن ذلك:
إنّ تذكّر فضل الله تعالى، وكيف أنه المدبّر على الحقيقة، وتذكّر حالات الضعف التي كان عليها الإنسان، ومدّ البصر إلى ماضيه قبل أن يحرز النصر ويحقق النجاح؛ وسيلة عظيمة لكبح غرور النفس وإلزامها موضعها وتبصيرها بقدرها ومكانتها الحقيقية، فما أحرانا بهذا الأمر لا سيما عند تحصيل النجاح! فنكثر من ذكر فضل الله علينا، وكيف دبّر لنا الأمور، فسارت على النحو الذي نريد رغم كثرة العراقيل والعقبات والاحتمالات بأن تسير في اتجاهات أخرى، وكذا نذكّر أنفسنا بماضينا والحال التي كنّا عليها بكلّ ما فيها من ضعف وفقر؛ حتى نمنع العجب والغرور من التسرّب لذواتنا فيكون من أكبر عوامل إضعافنا وقطع مدد السماء وبركاتها عنا.
إنّ ضرورة الوحدة وإصلاح ذات البين وأن تكون النفوس معلقة بربها ومتجهة لخالقها وعارفة بفضله أمور لها أهميتها وضرورتها في سلامة المجتمع المؤمن وصحته من الآفات التي قد تُودي به؛ ومن ثَم اهتمت سورة الأنفال من بين ما اهتمت بالتأكيد عليهما أثناء تناولها لأحداث غزوة بدر وتعليقها على مشاهدها، فبغير الاتحاد تنهزم المجتمعات وتضعف وتصبح عارية من أسباب القوة التي تواجه بها شتى الأخطار من حولها، وبغير العرفان الدائم بفضل الله تعالى بعد النجاح يركبها الغرور فلا تستأنف السَّيْر الراشد في تقوية صفّها وتحسس مواضع قصورها وتبيّن مكامن الزلل، كما لا تكون محلًّا قابلًا لاستدرار فضل الله عليها وتنزّل بركاته في ساحاتها. فما أحرانا بالنظر في القرآن وتتبّع تعليقه على بقية هذه الغزوة وغيرها من الغزوات التي اعتنى القرآن بتسجيل أحداثها والتعقيب عليها، واستخراج الفوائد والدروس التي تكمن خلف هذا التعليق، وتبيّن التوجيهات الكريمة التي تريد الآيات أن تلفتنا إليها من وراء ذكرها للأحداث ومعالجتها لتفاصيلها.
[1] إبراهيم/ 5.
[2] للمزيد حول الغزوة، انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 1375هـ - 1955م، م1، ص606.
[3]البخاري.
[4] يقول النبي -صلـى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» مسند أحمد.
[5]تفسير ابن كثير (4/ 12).
[6]في ظلال القرآن (3/ 1477- 1478).
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))