قراءة في كتاب
(خصائص التعبير القرآني، وسماته البلاغية)
تأليف: أ.د/ عبد العظيم المطعني

يُعَدُّ كتاب (خصائص التعبير القرآني، وسماته البلاغية)، للأستاذ الدكتور/ عبد العظيم المطعني من الدراسات التي قصدت إلى كشف سر الإعجاز البياني في القرآن الكريم ووضع منهجية لذلك، وهذه القراءة تُسَلِّط الضوء على هذا الكتاب، وتستعرض أهدافه ومحتوياته، وأبرز مميزاته، وأهم الملحوظات حوله.

تمهيد:

  اعتنى علماء المسلمين في مختلف القرون بالقرآن الكريم أيّما عناية، وتعددت أنظارهم إليه، فكلٌّ ينهل منه بحسَب مشربه، وكان إعجاز القرآن الكريم مما اعتنى به علماء المسلمين، فكان ميدانًا كثرتْ فيه الأقوال، واختصمتْ عنده الآراء، كلٌّ يعقِّب على مَن قبله ويستدرك، وينظِّر لمن بعده ويمهّد، فزلَّت في هذا الميدان أقدامٌ وثَبَّت اللهُ فيه أخرى. وكانت الإشكالية التي دار كلُّ مَن كتبَ في الإعجاز في فلَكها، هي: بماذا وقع الإعجاز؟ فمِن هنا اختلفوا ومن هنا آلَ البحثُ إلى ما ترى الحال عليه في أيامنا، فمن قائلٍ بالصَّرْفَة، ومِن مخطِّئ له، ومِن جامع بين الصَّرْفة وغيرها، إلى أن شاع وانتشر القول بأن إعجاز القرآن في بلاغته ونظمه، ثم تعدّدت المؤلَّفات في هذا الميدان، إلا أنّ ثمة إشكالية أَرَّقَتْ كلَّ مَن تصدى لبيان إعجاز القرآن، وهي العموم المفضِي إلى الإبهام في الكلام عن سِرِّ الإعجاز، فمعلومٌ أن الإعجاز في بلاغته، ولكن كيف تشير إلى أسلوبٍ ما، أو إلى خاصيةٍ ما في البلاغة، وتقول: بهذه وقع الإعجاز، وبهذه فاق بيانُ القرآن بيانَ البشر، وهذه هي التي لمّا سمعها المشركون كَبَا قدح زنادهم، وخَبَت نار عنادهم، فمِن هنا كانت الإشكالية الكبرى في الحديث عن بلاغة القرآن، هي البيان الذي يزيدها إبهامًا وحيرة وغموضًا، فقال أبو سليمان الخطابي عن بلاغة القرآن ونعوت السابقين لكيفيتها: «وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يَشْفِي مِن داءِ الجهل به، وإنما هو إشكالٌ أُحيلَ به على إبهام»[1].

ويصف العلّامة الأستاذ محمود شاكر صنيع الباقلاني في هذا بقوله: «والقاضي المتكلّم كان أيضًا أديبًا ذوّاقة، فكان إذا حَزَبَه الأمر وهو في فَحصِه عن البلاغة ونظره فيها على طريقة المتكلمين =فزع إلى التذوّق الذي يعصمه من الزّلل، فكان دائم الأوبة إلى الطريق الذي سلكه مِن قبله الجاحظُ، وهو أن ينعتَ ما يجده في نفسه من تذوّق القرآن، وبديع تركيبه، وغريب نَظْمه، ودقّة رصفه، وروعة بيانه؛ ومعنى ذلك في الحقيقة أنّ فراره من طريق المتكلمين إلى النعوت التي يُجريها أهل البيان والتذوق، تكشف عمّا يجده في نفسه من غموض معنى البلاغة وما فيها من الإبهام»[2].

فكان كثيرٌ من الكتابات في هذا الباب على هذا المنوال، تتسم بالمصادرة على المطلوب، وإطلاق العِنان للإنشاء، دون الاهتمام بجوهر المسألة، والبحث عن إشكاليتها، أو تكون دراسة لا تعدو أن تكون جمعًا لما تناثر، وضمًّا لما تفرّق، ولكن يبقى الإشكال قائمًا.

ومن هنا تبرز قيمة الكتاب الذي بين أيدينا: (خصائص التعبير القرآني، وسماته البلاغية)[3]، إِذْ إنّه نظر إلى هذه الإشكالية وأدركها، وسعى مؤلِّفه[4]جاهدًا إلى وضع منهجية تُوْقِف القارئ -بزعمه- على سرّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم. وهي دراسة فتحتْ لنا آفاقًا للنظر والتقويم، نرجو بقراءتنا هذه أن نسلِّط الضوء على هذا الكتاب وأن نقدِّم تقويمًا لاشتغاله يبيّن ما لهُ وما عليه.

محتويات الكتاب:

كسّر المؤلِّف كتابه على خمسة أبواب؛ الباب الأول -وهو مدخلٌ للبحث- تحته فصلان تناوَل في الفصل الأول وظيفة التعبير اللغوي وتطوّرها، والهدف من ذلك «معرفة ما تسمو به وظيفة اللغة، ومنها الوجوه البلاغية التي هي محور الدراسة في البحث»[5]. وتناوَل في الفصل الثاني الوجوه البلاغية وقيمتها في جمال التعبير، تكلّم فيه المؤلِّف عن تاريخ النقد والبلاغة عند العرب وتحدّث عن أبرز المؤلَّفات في هذا الباب.

والباب الثاني -وهو أول موضوعات البحث على الحقيقة- وهو (خصائص التعبير في القرآن الكريم)، وتحته أربعة فصول: الأول في (الإعجاز التشريعي والعلمي)، تكلّم فيه عن الوجه المختار في إعجاز القرآن الكريم، وفنّد مَن قال بغير الوجه البلاغي. وفي الفصل الثاني تكلّم عن (الإعجاز البلاغي) أو ما سمّاه هو بـ(الإعجاز البياني الأدبي) عرض فيه آراء مَن ألّف في الإعجاز قديمًا وحديثًا وناقشهم، فصوّب وخطَّأ. ثم خلَص إلى الفصل الثالث، وسمّاه (خصائص يغلب عليها جانب الألفاظ)، درس فيه خمس خصائص -رأى أنها يغلب عليها في المزية جانب اللفظ- وهي: فواتح السور، والفواصل، واللفظ القرآني، والنغم الصوتي، والتكرار. ثم الفصل الرابع وهو قرين ما سبقه، وسمّاه (خصائص يغلب عليها جانب المعاني)، درس فيه -كذلك- خمس خصائص -رأى أنها يغلب عليها في المزية جانب المعنى- وهي: ثراء معاني القرآن، ودقة النَّظْم، واختلاف الأغراض، والإقناع والإمتاع، والتصوير والتشخيص.

والباب الثالث كان لدراسة بعض المباحث المتعلّقة بعلم المعاني؛ فدرس مبحث الحذف، ومبحث التقديم، ومبحث -سمّاه هو- التقديم غير الاصطلاحي.

والباب الرابع جعله لعلم البيان وسمّاه (سحر البيان في القرآن الكريم)، وجاء في ثلاثة فصول، درس في الأول التشبيه والتمثيل من خلال عدّة مجموعات؛ الأولى في شأن الكافرين، والثانية في شأن المؤمنين، والثالثة في مظاهر القدرة الإلهية، والرابعة باقة من الزهور -كذا- درس فيها نصوصًا كثيرة، ودرس في الفصلين الثاني والثالث مجاز القرآن من خلال نصَّين؛ في كلّ فصلٍ نصّ: الأول من سورة البقرة، والثاني من سورة الأعراف.

الباب الخامس وقفه على دراسة علم البديع، واندرج تحته فصولٌ ثلاثة؛ الأول في المحسنات المعنوية، والثاني في المحسنات اللفظية، والثالث في قيمة البديع القرآني، درس فيه نصوصًا من القرآن من الناحية البديعية.

هدف الكتاب:

نصّ المؤلِّف في صدر كتابه عن هدفه فيه، فقال: «إنّ عنوان هذا البحث -وإن لم يُشِر أيّة إشارة إلى قضية الإعجاز- فإنه تطبيقٌ عمليّ موضوعي للكشف عن سرّ الإعجاز في القرآن الكريم على المذهب المختار من مذاهب جهات الإعجاز في القرآن الكريم»[6].

وقال أيضًا: «فإنّ موضوع هذا البحث يدور حول تجلية كثير من خصائص النَّظْم القرآني، وسمات بلاغته المعجزة التي أعجزت الجنّ والإنس»[7].

إذن هدف الكتاب واضحٌ من الصفحات الأولى؛ أنه في كشف القناع عن إعجاز القرآن من الناحية البلاغية، وما الذي فاق به بيانُ القرآن بيانَ البشر.

الإشكالات المعرفيّة التي يقوم عليها الكتاب:

لا يخفى على مُتأمّلٍ وُعُورَةُ البحث في إعجاز القرآن وبلاغته، وأن الحديث فيه -على كثرة المؤلَّفات- لا يزال بحاجة إلى التنقيح والنظر الثاقب، فالإشكال الرئيس في هذا البحث هو التحديد الدقيق بموطن مفارقة خصائص البيان القرآني لخصائص البيان البشري، وهذا الذي ينمّ عنه عنوانُ كتابِنا، وهذا ما لحظه المؤلِّف، وقال: «ولمّا كان القرآن هو معجزة الإسلام، وإعجازه -في المختار- راجعٌ إلى بيانه وأدبه، وبلاغته وفصاحته، وأسلوبه ونظمه =فإنّ الحاجة في هذا العصر الذي يتّسم بالتنكر لحقائق الإيمان، والتمرّد على سلطان الدين تصبح ماسّة إلى ما يساعد على جلاء تلك المعجزة وتقريبها إلى الأفهام»[8]، فلمّا شرع المؤلِّف في حلّ هذا الإشكال دفعت به مضائق البحث إلى إشكالات عدّة سعى خلال كتابه إلى حلّها.

فكان أول إشكالٍ واجهه هو ضعف الميدان التطبيقي في البلاغة إذا ما قُورن بالتنظير، فعلى كثرة ما أُلِّفَ في هذا الفنّ، وكثرة ما كُتِبَ عن القرآن، تجد التطبيق البلاغي عليه سيماء القصور، وفيه ميسم الندرة، ولا يعدو أن يكون ترديدًا للقواعد بشكلٍ ساذج دون النظر في خصوصيات الآيات ومزاياها، فسعى المؤلِّف إلى تكثيف التطبيق على آيات القرآن، واستفراغ الوسع، والعناية بالتطبيق بعد التنظير، فجاء الكتاب حافلًا بالنظر البلاغي والتطبيق.

 إلا أنّ استفراغ الجهد والطاقة في التطبيق دفع به إلى الإشكالية الثانية، وهي أن قواعد البلاغة على الحقيقة عند تنزيلها في ميدان التطبيق تجد فيها قصورًا عن استيعاب ما في الآيات من مزايا وخصائص، وأنّ المتتبع لأسلوب القرآن والمواظب على تأمّله وفحصه يجد ظواهر مستعصية على هذه القواعد، خارجة عن نطاقها، فسعى المؤلِّف إلى حلّ هذه الإشكالية بأن قعّد قواعد جديدة لم يلتفت إليها من سبقوه، وجمع تحتها ما انتظم له من آي القرآن، وحاول أن يتتبع كلّ من تكلّم في خصائص آيات الكتاب -سواءٌ عليه أكان متقدمًا أو متأخرًا- فيتعقّبه ويستفيد مما ذكره لتوسيع دائرة التقعيد لتناسب ميدان التطبيق.

وحلّ هذه الإشكالية -أعني توسيع دائرة التطبيق البلاغي على الآيات- دفعه إلى الإشكالية الثالثة، وهي المصادر، فاعتمد المؤلِّف على مصادر بعينها في بحثه هذا كثيرًا، وهو وإن لم ينصّ عليها إلا أن المتتبع له يجد لها حضورًا كبيرًا، كنحو: تفسير الكشاف للإمام الزمخشري، وتفسير الإمام أبي السعود العمادي، وتفسير الإمام النسفي -أعني المدارك- وكتابي البرهان والإتقان في علوم القرآن. فكان بحث المؤلِّف معتمدًا بشكلٍ كبيرٍ على هذه المصادر، من ناحية النقل والتعقيب والاستدراك.

وفي ميدان التطبيق وتوسيع دائرته على آي القرآن كانت الإشكالية الرابعة وهي أن المؤلِّف استفاد من علوم البلاغة الثلاثة إلّا أنّ كلَّ علمٍ منها فيه فروع ومباحث كثيرة، فحلّ المؤلِّف تلك الإشكالية بأن ركز رماح بحثه على مباحثَ بعينها، ولعلّ هذا تعليلٌ لاختياره في الباب الثالث -الذي جعله لعلم المعاني- مباحثَ بعينها دون غيرها.

وقد يُظَنّ في بادئ الأمر أنّ ثمّة تعارضًا بين الإشكالية الرابعة والإشكالية الثانية، فكيف نقرّر قصور قواعد البلاغة ثم نقول بعد ذلك أنّ لاتساع مباحث البلاغة اقتصر المؤلِّف على بعضٍ منها؟ والجواب يتبيّن بصنيع المؤلِّف، فإنه لمّا نظر -على سبيل المثال- في مبحث التقديم في علم المعاني، وجد عند التطبيق آيات يقصر عنها ما قرّر من قواعد، فمِن هنا وسع دائرة التقعيد، في مبحثٍ واحد، وبهذا يحصل الجمع بينهما.

أبرز مزايا الكتاب:

1. اهتمّ المؤلّف بالتطبيق البلاغي على آي القرآن، فأكثرَ وأطنب، وهو خلال ذلك يناقش آراء مَن سبقوه، ويزيد عليهم، ويكمّل مقاصدهم، فكان الكتاب جامعًا لمناقشات ثرية وكثيرة، ولو تُتُبِّعت ودُرِسَت لكان أمرًا حسنًا.

2. لمّا كان غرض المؤلِّف أن تكون دراسته «تطبيقٌ عمليّ موضوعي»؛ اهتمّ المؤلِّف بتناول الموضوعات القائمة برأسها ودراستها بلاغيًّا، ومما أبدع فيه وأجاد، دراسته لقصة آدم -عليه السلام- في القرآن[9]، من خلال مواضعها المختلفة، وتوجيه الاختلاف في كلّ موضوع، وبيان الفرق بين المواضع وبعضها، فحريّ أن يُنسج على منوال هذه الدراسة في هذا الأمر، مستفيدين من طريقة المؤلِّف، ومكمّلين عليها؛ لما فيها من تجلية بلاغة القرآن.

3. ومما تميّز به الكتاب هو استقصاء المؤلِّف في تتبّع المذاهب البلاغية؛ فعندما يتناول المؤلِّف مسألةً ما لا يقتصر على «تلخيص المفتاح» وشروحه، بل إنه التفتَ إلى المذاهب الأخرى التي كانت موازية في النشأة مع التلخيص؛ فعلي سبيل المثال، لمّا عرض المؤلِّف لمبحث التقديم في علم المعاني[10]، تناول ما في التلخيص والمفتاح، ونظر أيضًا إلى ما كتبه ابن الأثير في المثل السائر، ومعلومٌ أن ابن الأثير له نظرٌ مستقلٌّ، وطريقة مباينة، فكان استقصاء المؤلِّف لمثل هذا بديعًا وفيه لفتُ نظرٍ مهمٌّ للباحثين في المسائل البلاغية.

4. وأيضًا -وهو فرعٌ عما سبق- تتبّعه لطريقة المفسِّرين في التطبيق البلاغي[11]، فهذه الدراسة دراسة تطبيقية في المقام الأول، فكان المعوّل فيها على أنظار المفسِّرين في التطبيق، وكيف مارسوا تطبيق القواعد على الآيات، وكيف تعاملوا مع قصور القاعدة عن استيعاب كلّ ما في الآية، فكان اهتمامُ المؤلِّف بالنظرِ في صنيع المفسِّرين وتحليلِ منهجهم أمرًا في غاية الأهمية والدقة.

أهم الملاحظات على الكتاب:

لم يألُ المؤلِّف جهدًا في تنميق وتجويد دراسته، إلا أنه وقع في بعض المآخذ المنهجية التي أمسكتْ بزمام الدراسة عن السَّيْر في كشف الإشكال، منها:

1. أنّ العلماء قسموا البلاغة إلى علوم ثلاثة، وهي: المعاني والبيان والبديع، تسهيلًا على المتعلِّم والدارس، ولسهولة تشقيق القواعد، وليس معنى صنيعهم ذلك أن كلَّ علمٍ يُدرَس بمعزلٍ عن صاحبه، بل هذه القسمة هي بمثابة أدوات للكشف عن البيان وتجلية أسراره، فالاستفادة الحقيقية -في ميدان التطبيق- تكون بدراسة النصّ دراسة شاملة دون تفتيت وتجزئة، تستخرج بها مخبوء الآية، وأسرار نَظْمها؛ لذا فعَقْدُ المؤلِّفِ كتابَه -الذي هو في الكشف عن خصائص التعبير القرآني- على الصورة الدراسية =أمرٌ فيه نظر، وعائقٌ عن النظر الكلي إلى الخصائص العامة. وهذا الصنيع من المؤلِّف أوقعه في إشكالات، منها -على سبيل المثال- أنه أثناء تحليله لنصّ قرآني للكشف عن المجاز في القرآن كان يتعرض لأشياء هي من صميم علم المعاني، ولكن الكشف عن البيان يقتضيها فكان يستطرد ويخرج عن محلّ البحث[12].

2. صرّح المؤلِّف في صدر كتابه أنه سيدرس خصائص القرآن من خلال القرآن فقال: «ومن أبرزِ ما يهتم به هذا البحث الاعتمادُ على القرآن نفسِه في استنتاج ما أمكن استنتاجه، بالنظر في طرق الصياغة...»[13]، وقال أيضًا: «وقد حاولت جهد ما أستطيع أن أكشف عن شيءٍ من تلك الخصائص التي تسري بين وحدات كلّ مجموعة، وكان مرجعِي في ذلك هو القرآن نفسه»[14]. وهذه إشكالية منهجية أَزْرَت بالبحث؛ فإنّ مراد المؤلِّف من هذا البحث كلّه هو كشف سرّ الإعجاز في القرآن من الوجه البلاغي، وإبراز خصائصه، فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تكون هذه الدراسة بمعزلٍ عن الشِّعر الجاهلي وخصائصه، ومن أين له أن يعلم أن هذه الخاصية التي سوّد فيها الصفحات ذوات العدد ليس في الشِّعْر مثلها؟! فهو في هذا الزعم مجانب للصواب، ومخالفٌ لجِلَّة العلماء الذين بحثوا وكتبوا في الإعجاز. وهذا الأمر يفتح على المتصدي له بابًا من الطعن في بلاغة القرآن، فيكون قد أفسد من حيث يريد الإصلاح، وحتى تتبينَ هذه الإشكاليةُ -والتي اطّردت في الكتاب كله- أبيِّنُ موجِزًا -على سبيل المثال- هذه الإشكالية من خلال ما سماه (خصائص الحذف القرآني) وهو:

 «أولًا: سلامته من الإجحاف بالمعنى والخلل في الأسلوب، فيحكمه أمران:

أ- دليل قوي يعِين على تصوره أو تعيينه، كقوله تعالى: ﴿‌فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.

ب- الداعي البلاغي الذي دعا إلى الحذف.

ثانيًا: أنّ كلّ موضع حُذف فيه منه شيء فالحذف فيه أبلغ من الذِّكْر من حيث المعنى»[15].

أقول: هذه الشروط التي قال فيها إنها (خصائص الحذف القرآني) هي ذات الشروط التي ينصّ عليها كلّ البلاغيين في مبحث الحذف، ثم إنّ هذين الشرطين ليسَا من الخصائص في شيء؛ لأن الخاصية هي ما يمتاز به الشيء عن غيره، وليس ذلك بمتحقّق فيما ذكره، فهي لا تعدو عن كونها شروطَ صحةٍ تتوفّر في النصّ القرآني وفي غيره من النصوص، فعلى سبيل المثال قول أبي البُرج[16]:

هُمُ حَلُّوا مِنَ الشَّرَفِ المُعَلَّى ** ومِنْ حَسَبِ العشيرةِ حيث شاؤُوا

بُنَاةُ مكارمٍ، وأُسَاةُ كَلْمٍ ** دِماؤهُمُ مِنَ الكَلَب الشِّفَاءُ

فإنّ في الأبيات حذفًا أي: هم بناةُ مكارم، وشَرْطَا الحذف اللذان قال إنهما من خصائص الحذف القرآني =واقعان في الأبيات، بل لقد قال عبد القاهر في هذين البيتين وأشباههما:

«فتأمَّل الآنَ هذه الأبياتَ كلَّها، واسْتَقْرِها واحدًا واحدًا، وانظُرْ إلى مَوقِعها في نفسِك، وإلى ما تَجدُه مِنَ اللطفِ والظّرْفِ إذا أنتَ مررت بموضع الحذف منها، ثم فَلَيْتَ النفسَ عمّا تَجِد، وأَلْطَفْتَ النظَرَ فيما تُحِسُّ به. ثُمَّ تَكلَّفْ أَن تَرُدَّ ما حذَفَ الشاعرُ، وأن تُخرِجَه إلى لفظِك، وتُوقِعَه في سمعِكَ، فإِنك تَعلمُ أنَّ الذي قلتُ كما قلتُ، وأنْ رُبَّ حَذْفٍ هو قِلادَةُ الجِيد، وقاعدةُ التَّجويد»[17].

فهذا إمامُ الصنعة يصف حذفًا في الأبيات فيه ما قال المؤلِّف أنه من خصائص القرآن، والذي دفع بالمؤلِّف إلى هذا المضيق هو هذا الخطأ المنهجي الذي نبَّهْنا عليه، وقل مثله في خصائص المجاز القرآني[18] وغيره، كما دفع به هذا المأخذ إلى المأخذ الثالث، وهو:

3. كثرة المصادرة على المطلوب، فإنّ هذه الدراسة وضعت في المقام الأول لكي تبرز خصائص التعبير القرآني، بأن تقيم على ذلك الدليل، لا أن يُقال: «فقد جاء القرآن حافلًا بصور البيان وضروب البديع وجدة المعنى وقوّة الأسلوب وجزالته، ووضوح المعنى وطرافته، وهذا أمرٌ لا يحتاج إلى دليل، فالقرآن نفسه شاهد صدق»[19]، وكأنْ يقول: «وهذا التصرّف البديع لم يُعرف في غير القرآن»[20]، يقول هذا دون تدليل، ودون تبيانٍ لبيان الشعر في هذا، بل هو يَدرس بمعزلٍ عنه ويصادر على المطلوب بنحو هذه العبارات، فـ«هذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يَشفِي مِن داءِ الجهل به، وإنما هو إشكالٌ أُحيلَ به على إبهام» كما قال الخطّابي رحمه الله تعالى.

4. عدم تحريرِ المصطلحات العلمية ووضعِ حدودٍ لها، وهذا المأخذ من أكثر المآخذ حضورًا في الكتاب، فعلى سبيل المثال لم يتطرّق المؤلِّف لتعريف (الإعجاز)، بل الأعجب أنه صرّح بتركه بعض المباحث التي رآها -في ظنّه هو- أنها ليست ذات كبير قيمة في قضية الإعجاز قال: «وغضضنا الطرف عن كثيرٍ من المسائل التي وُجِدَت في كتب الأقدمين، مثل: بمَ يقع الإعجاز؟ بالقرآن كلِّه أم بأقلِّ شيء فيه؟ والإعجاز خاصّ بالعرب أو شامل لغيرهم من الأمم؟»[21]؛ وتركُ مثلِ هذا مُزرٍ بالبحث، معيقٌ عن تحقيق هدفه.

ومن ذلك أيضًا لمّا تعرض إلى الخصائص التي يغلب عليها جانب اللفظ والخصائص التي يغلب عليها جانب المعنى[22]، لم يحرّر ما المراد باللفظ والمعنى، فأوقعه ذلك في الخلط الشديد، ففي مبحث (ثراء معاني القرآن) وهو من الخصائص التي يغلب عليها جانب المعنى، كان كلُّه بحثًا في المفردة القرآنية، فلِمَ لمْ يضَعْها في مبحث (ألفاظ القرآن) في الخصائص التي يغلب عليها جانب اللفظ؟ ومبحث (التصوير والتشخيص) وهو من الخصائص التي يغلب عليها جانب المعنى، ما الذي جعله هنا ولم يضَعْه في علم البيان إذ هو موضوعه وبابه؟

وكذلك لمّا عرض لمبحث دراسة المجاز القرآني لم يلتزم فيه دراسة المجاز على وجهه، بأن يبيّن حقيقة اللفظ في كلام العرب وشِعرهم وكيف تطوّر إلى المعنى الذي هو عليه، وما مرجِّح المجاز هنا دون غيره... بل انشغل بدراسة معجمية لكلّ لفظة! وجمع موادّها في القرآن، وجمع عدد مرّات مجيئها حقيقة ومجازًا، ولا شك أن هذا من ضعف تحرير المصطلح، وعدم وضوح الفكرة، فهل يقال إنّ من خصائص بلاغة القرآن التي فاق بها بلاغة غيره أن مادة (شَرَى) -على سبيل المثال-: «وردَت في القرآن خمسًا وعشرين مرة، جاءت على صور المجاز في ثلاث وعشرين مرة منها، وعلى المعنى الحقيقي في مرتين فحَسْب»[23]؟!

وأعجب من ذلك أنّ المؤلِّف لمّا تحدّث عن علم البديع انتقد على العلماء أنهم لم يعرفوا المحسنات اللفظية ولا المعنوية بحيث يتبين الفرق بينهما، ثم هو يقع فيما نقده بعد صفحات، فيشرع في الحديث عنهما دون وضع تعريف لهما وارتضى النقل عن ابن أبي الإصبع[24]، وهذه الإشكالية دفعت به إلى الأخرى، وهي:

5. إطلاق الدعاوى، وذلك أننا أسلفنا القول أن المؤلِّف كان يحاول أن يبتكر قواعد جديدة في ميدان التطبيق تستوعب أسرار الآيات، وهذا أمر حسن، وعلم البلاغة على الحقيقة به كثير من الإشكالات في التقعيد هي بحاجة إلى طول نظرٍ وتأمّل، إلا أن المؤلِّف لم يحرّر وينقّح ما أطلقه، وذلك مثل ما ادعاه أنه لاحظ بحثًا جديدًا في مسألة الفاصلة القرآنية وهو أنّ «الفاصلة القرآنية في الآيات الطويلة -سواءٌ أكانت في السور الطوال أو القصار أو المتوسطة الطول والقصر- تأخذ سمة الاستقلال، بمعنى أنها تأتي بعد تمام المعنى أو معانٍ رئيسة في الآية، فتكون بمثابة تعليق عليها وتؤدي حينئذٍ وظيفة التعليل أو الإنكار أو التوكيد أو الترغيب أو زيادة الإيضاح، وهي غالبًا ما تكون في هذا النوع جملة مستوفية الأركان ويغلب عليها أن تكون اسمية. أمّا في الآيات القصيرة -سواءٌ أكانت في السور الطوال أو القصار أو المتوسطة الطول والقصر- فتكون كلمة مكملة لمعنى الآية التي هي فيها معمولة نحويًّا...»[25]، وقال عن هذه الفروق «لم أرَ أحدًا تنبّه إلى هذه الفروق»[26]، وإنّ المؤلِّف هنا قد أطلق دعوى الاكتشاف والتفرّد وليس في الأمر سوى الخلط، فإن الفاصلة القرآنية في أيّ آية طويلة كانت أو قصيرة هي آخر كلمة فيها، كما عرّفها المؤلِّف نفسه، فما معنى أن تكون الفاصلة جملة مستقلّة؟! وهل هذا إلا تعريف للتذييل أو الاعتراض المدروس في باب الإطناب في علم المعاني؟!

فهذه إشارة إلى موضعٍ واحد ومثله في الكتاب مبثوث، يطلق فيها الدعاوى وليس شيء ثَمَّ.

6. أن المؤلِّف في كثير من مباحث الكتاب كان لا يتجاوز رأي الزمخشري وأبي السعود في تفسيريهما، بل إنّك لَتجدُ البابَ الكامل كلَّه نقلٌ عنهما وليس فيه جديد، والباب الأخير الذي عقده في علم البديع، هو كلّه بفصِّه ونصِّه مستلٌّ ومرتَّب من كلام ابن أبي الأصبع في تحريره.

الخاتمة:

هذه قراءة موجزة لكتاب (خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية) للدكتور/ عبد العظيم المطعني -رحمه الله تعالى-، اجتهدتُ فيها أن أبرِزَ ما أحسن فيه وأجاد، وحرَصتُ أن أنبّه على ما كبَا فيه قدح الزناد، وأيُّ فارسٍ لم يكبُ له جواد!

وأحبُّ في خاتمة البحث أن أقول أنّ دراسة مسألة إعجاز القرآن تحتاج إلى جهدٍ جهيدٍ، تبتعد عن الإنشاء وإطلاق الدعاوى، وتتسم بالجدة والتركيز على جوهر الإشكال الحقيقي، حتى تؤتي ثمارها المرجوّة، وأن البحث فيها ليس من الترف العلمي، ولا من المُلَح التي تُتَناقَل، بل إنه علم شريف دقيق المسلك، وعليه يقوم أصل من أصول الديانة. وإن كلّ دراسة للجانب البلاغي في إعجاز القرآن لم تقم على الشِّعْر =دراسة ناقصة، فلن يتبين أبدًا فضل البيان القرآني وهو بمعزلٍ عن البيان الذي تحدّاه، ولا خيرَ مِن نصٍّ للأستاذ العلّامة محمود شاكر -رحمه الله- في التوصية بهذا الأمر، يقول:

«...وأنتَ خليقٌ أن تعرف أن الشيء الذي طلبته واحتججت له وحاولت أن أكشف عن منهاجه ومذهبه، إنما يتعلّق بخصائص البيان في القرآن وخصائص بيان البشر على اختلاف ألسنتهم، وأنّ مخرج هذا غير مخرج هذا، وأنّ (الشِّعْر الجاهلي) إنما هو مادة الدراسة الأولى؛ لأن القرآن نزل بلسان العرب، والذين نزل عليهم ثم تحداهم وأعجزهم هم أصحابُ هذا الشِّعْر والمفتونون به وببيانه، وهذا بابٌ غير الباب الذي افتتحه الباقلاني، ثمّ فجّر عيونه إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ثم أبدع فيه العلماء ما أبدعوا، وزادوا فيه عليه ونقصوا»[27].

 

 

[1] بيان إعجاز القرآن، أبو سليمان الخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، طبعة دار المعارف، ص24.

[2] مداخل إعجاز القرآن، أبو فهر محمود محمد شاكر، طبعة دار القدس، ص87.

[3] أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه، صدر عن مكتبة وهبة، عام 1992م = 1413هـ، في جزأين، وقد بلغ عدد صفحات المجلد الأول 496 صفحة، والمجلد الثاني 503 صفحة.

[4] المؤلف هو الدكتور/ عبد العظيم إبراهيم المطعني، وقد وُلد في 15 مايو عام 1931م الموافق 27 من شهر ذي الحجة عام 1349هـ، في مدينة أسوان. حفظ القرآن الكريم في صغره، وتلقَّى تعليمه في كُتّاب القرية، ثم التحق بمعهد القاهرة الأزهري فحصل على الشهادة الابتدائية، ثم معهد القاهرة الثانوي، ثم التحق بكلية اللغة العربية بالقاهرة وتخرّج فيها عام 1966م.

حصل على الماجستير في البلاغة والنقد عام 1968م عن بحثه: (سحر البيان في مجازات القرآن)، ثم الدكتوراه عام 1973 عن بحثه: (خصائص التعبير القرآني، وسماته البلاغية) الذي هو محلّ قراءتنا. درّس في كلية اللغة العربية بالقاهرة في قسم البلاغة والنقد، وفي جامعة الملك عبد العزيز، وجامعة أم القرى، وجامعة البحرين. ومن مؤلّفاته غير كتابنا الذي نتناوله: المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم؛ بين مجوّزيه ومانعيه، دراسات جديدة في إعجاز القرآن الكريم، مناهج تطبيقية في توظيف اللغة، التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم، من قضايا البلاغة والنقد، لطائف وأسرار الرسم العثماني للمصحف الشريف، سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله والعلاقات الإنسانية، مبادئ التعايش السِّلمي العالمي في الإسلام منهجًا وسيرة. وتُوفي الشيخ الدكتور في شهر رجب عام 1428هـ، الموافق 30 يوليو عام 2008م. ونقلتُ هذه الترجمة من بحث: جهود الأستاذ الدكتور/ عبد العظيم المطعني في الكشف عن إعجاز القرآن الكريم من خلال كتابه: (دراسات جديدة في إعجاز القرآن) للدكتور/ إبراهيم عطية إبراهيم عيسى، وكان أمدَّه به الدكتور المطعني نفسه. journals.ekb.eg/article_173173.html

[5] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 10).

[6] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 5).

[7] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 6).

[8] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 8).

[9] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 335).

[10] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 80).

[11] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 134).

[12] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 248- 249- 295- 323).

[13] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 9).

[14] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 218).

[15] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 75- 77) باختصار يسير.

[16] في الحماسة، أبو تمام، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، الإصدار (14) من المجلس العلمي بجامعة الملك سعود، 1981م، (2/ 310).

[17] دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلق عليه: محمود شاكر، ط. الخانجي، ص151.

[18] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 397).

[19] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 61).

[20] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 284).

[21] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 184).

[22] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 190، 367).

[23] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 324).

[24] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (2/ 409).

[25] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 325).

[26] خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، المطعني، (1/ 12).

[27] مداخل إعجاز القرآن، محمود محمد شاكر، ص189.

الكاتب

محمد مصطفى قناوي

حاصل على ليسانس كلية الآداب قسم اللغة العربية - جامعة الإسكندرية.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))