كيف نستعد لشهر رمضان؟

الكاتب : محمد الخولي
التصنيفات : الإستعداد لرمضان

رمضان ضيف عزيز، وزائر كريم، وحَقٌ على المزور أن يكرم زائره، وأن يحسن الاستعداد له واستقباله، وهذه المقالة تعلمنا كيف نستعد لرمضان ونحسن استقباله، ونغتنم أيامه ولياله؛ لنظفر بما فيه من خير وبركة.

ها هي نسائم شهر رمضان تقترب بما فيها من عبير الطاعات، ووافر الخيرات، هذا الشهر الكريم الذي تكثر فيه العبادات، وتعمُّ فيه البركات، وتُمحى فيه السيئات، ولكن هل استعدَّ المسلمون لقدوم هذا الشهر؟

كثيرٌ منَّا إذا كان على موعدٍ مع شخص عزيز أو ضيف غالٍ يحرصُ على الاستعداد لهذا اللقاء قبل الموعد ربما بوقتٍ طويل، وكلما كانت أهمية هذا اللقاء كلما كان الاستعداد أكبر، فما بالك إن كان هذا الضيف هو شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات وشهر الرحمات وشهر الطاعات، هذا الشهر الذي باركه الله -عزّ وجل-، وشرّفه بنزول القرآن، وفرض فيه ركنًا عظيمًا من أركان الإسلام ألا وهو الصيام؛ إذًا فالأمر عظيم ويحتاج للتهيئة والاستعداد للفوز في هذا الشهر الفضيل بالرحمات والخروج منه بطيب الثمرات.

 

أحوال الناس مع رمضان:

فأحوال الناس مع رمضان مختلفة ومتباينة؛ فمنهم من ينتظره ويشتاق إليه، ومنهم من يغفل عنه ولا يعبأ به، وشتان شتان بين من ينتظر قدوم الشهر على أحَرِّ من الجمر؛ ليجدد العهد بالطاعات، ويعود إلى ربِّ الأرض والسماوات، وبين من يغفل عنه ولا يعبأ به، فالأول يعرف فضّل هذا الشهر، ويطمعُ في المغفرة وتحصيل الأجر، أمَّا الثاني فهو المحروم الذي لم يستعد لهذا القدوم، ولم ينشغل بمرضاة الحي القيوم، فيجد نفسه في ركاب الغافلين، قد سبقه الصائمون القائمون الذين علت همتهم لتحصيل رضوان ربِّ العالمين.

 

كيف يستقبل الناس رمضان؟

يختلفُ الناس في طريقة استقبالهم لرمضان، فمنهم من يستقبله بتخزين الطعام والشراب، والبحث عن كلّ ما لذَّ وطاب، وبعضهم يستقبل رمضان بالسؤال عن أحدث البرامج والمسلسلات، ومعرفة مواعيد اللقاءات والسهرات، والبعض يستقبل رمضان بالبحث عن السُّبل التي تُعينه على تحصيل أعلى الدرجات، والفوز بالرحمات، ومغفرة السيئات، وشتان بين هؤلاء وهؤلاء!

 

من الفائز في شهر رمضان؟

إنَّ الفائز في رمضان من أدرك أهمية هذا الشهر؛ فاستعد له قبل قدومه، وعمل على تهيئة نفسه وتدريبها على الطاعات؛ لأن النفس تحتاج إلى الترويض قبل حملها على العبادات، فكما نشاهد في المباريات، كيف أن كل فريق يستعد ويتدرب قبل المباريات، وربما بذل في هذا الاستعداد أيامًا وساعات، بل ربما يظلُّ اللاعب يتدرب أشهرًا وسنوات حتى يصل للمستوى المطلوب؛ لتحقيق فوز أو بطولة من البطولات!

فكيف يكون استعداد من يسعى لمغفرة السيئات، ويرجو العفو من ربِّ الأرض والسماوات، ويطمعُ في الفوز بالجنَّات ورفيع الدرجات؟!

 

هل الاستعداد لرمضان من هدي الصحابة والسلف؟

إنَّ الحديث عن الاستعداد لرمضان ليس من بدع الأمور، بل لنا فيه قدوة وأسوة من الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم-؛ حيث كان الواحد منهم ينتظر رمضان ويستعد له قبل قدومه بستة أشهر، يقول معلّى بن الفضل: (كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم)([1])، ويقول يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: (اللهم سلمني إلى رمضان، وسلّم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلًا)([2]).

 

خطوات عملية لاستقبال رمضان:

أولًا: أفضل ما نستقبل به رمضان هو الوقوف مع النفس ومراجعتها وحملها على التوبة النصوح:

فليس من اللائق أن يستقبل المسلمُ رمضان وهو مصرٌّ على المعاصي، وعلى أكتافه جبالٌ من السيئات، ثم يُمنِّي نفسه أن يكون من المقبلين على الطاعة، كيف وهو مثقل بالخطايا؟! فمن أهمّ الأمور في الاستعداد لرمضان وحسن استقباله التوبة النصوح قبله؛ ليتخفف المسلم من أثقال الذنوب، ويغتسل من أدرانها فيقبل على ربه في رمضان متطهرًا، خفيفًا، مسارعًا للخيرات، فإنَّ الله سبحانه لم يأمر عباده بالمسارعة لشيء كما أمرهم بالمسارعة إلى المغفرة والتوبة، فقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133].

ثانيًا: الإكثار من صيام التطوع وخاصة في شهر شعبان:

وذلك لترويض النفس وتهيئتها للصيام والصبر على الطاعات، وقد كان من هدي
النبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من الصيام في شهر شعبان؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله) [رواه البخاري]. وعندما سُئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: (ذاك شهر يغفلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين؛ فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه النسائي، وحسنه الألباني].

ثالثًا: المحافظة على الورد اليومي من قراءة القرآن مع التدبر:

ففي شهر رمضان كثيرًا ما يقبل المسلمون على تلاوة القرآن، ولكن سرعان ما يتركونه، ويشعرون أنَّ هناك حائلًا يحول بينهم وبين الاستمرار في التلاوة، وذلك بلا شك بسبب طول الهَجْر له وبعد العهد عنه؛ لذلك إن أراد المسلم ألا يشعر بشيء من الصعوبة والمشقة في تلاوة القرآن في رمضان فعليه أن يستعد قبل رمضان، وأن يُجاهد نفسه حتى إذا أتى رمضان يكون قد انجلى قلبه وزالت الوحشة التي بينه وبين كتاب ربه.

رابعًا: مجاهدة النفس على الالتزام بقيام الليل والمحافظة على النوافل:

فصلاة النوافل وقيام الليل من أفضل القربات بعد الصلوات المكتوبات، وهي من أسباب محبة الله -عز وجل-، ففي الحديث الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربِّ العزة أنه سبحانه قال: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) [رواه البخاري].

وروى أبو هريرة رضي الله عنه في فضل قيام الليل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل) [رواه مسلم].

والناظر في حال الناس من القيام في رمضان، يجد أنه مشابه لحالهم من القرآن، حيث يقبلون بهمّة عالية على القيام في بداية الشهر، ثم سرعان ما ينصرفون عنه بعد أيام معدودات؛ وذلك لأنهم لم يروّضوا نفوسهم عليه، فينبغي على المسلم إن أراد الثبات على النوافل والقيام في رمضان أن يجاهد نفسه ويروضها قبل رمضان.

خامسًا: الإكثار من الصدقة والعطف على الفقراء والمساكين:

فالصدقة على الفقراء والمحتاجين من أفضل أعمال البرّ، ومن أسباب المغفرة وتكفير السيئات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في سائر الشهور، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل) [متفق عليه].

فإن أراد المسلمُ أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكون من أجود الناس في رمضان، فعليه بالإكثار من الصدقة قبل رمضان، وذلك لترويض النفس على العطاء؛ لأن النفس تميل إلى البخل والشح، ومما يعينه على التخلص من هذه الصفات السيئة تذكّر فضل الصدقة والأحاديث التي تحثّ عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) [متفق عليه]،
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

سادسًا: العمل على تهذيب النفس والتخلص من دنيء الأخلاق:

ينبغي أن يتحلى المسلم بالأخلاق الكريمة، ويبتعد كلّ البعد عن الأخلاق الرذيلة لا سيما المسلم الصائم، فما فائدة الصيام والأعمال الصالحة إن لم يظهر أثرها في سلوك صاحبها؟! فكثير من المسلمين نصيبهم من الصيام مجرد الجوع والعطش؛ لأنهم لم يتخلقوا بأخلاق الصائمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [رواه البخاري].

حتى وإن أساء إليه أحدٌ فعليه ألا يقابل الإساءة بالإساءة، فعن أبي هريرة كذلك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم. مرتين) [رواه البخاري]، فعلى المسلم أن يُهذب نفسه، ويتخلص من دني الأخلاق قبل الإقبال على موسم الخيرات.

سابعًا: جعل اللسان رطبًا بذكر اللهفي كلّ وقت:

ينبغي على المسلم أن يحفظ لسانه ويروضه على الذكر؛ لأن ذلك مما يحفظ به نفسه ويزداد به قُربًا من ربه -عز وجل-؛ لأن ذكر الله جماع كلّ خير، فعن عبد الله بن بسر، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

ثامنًا: تطهير القلب من أدرانه:

فلا ينبغي للمسلم أن يقبل عليه رمضان وفي قلبه شيء من الغلّ والحقد والحسد؛ لأن هذه الأمراض سوف تشغله عن الطاعات وتضيع منه الحسنات؛ لذلك عليه أن يطهر قلبه، وليعلم أنه إن طهر قلبه صار من أفضل الناس عند الله -عز وجل-، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: (كلّ مخموم القلب صدوق اللسان)، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: (هو التقيّ النقيّ، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا حسد) [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].

وفي النهاية أخي المسلم ينبغي أن تدرك أنك مقبل على سوقٍ عظيمٍ، وميدانٍ للمنافسة كبير، فليكن شعارك وأنت مقبل على هذا الشهر: (لن يسبقني إلى الله أحد).

بلغني الله وإياكم شهر رمضان وجعلنا فيه من الفائزين المقبولين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

([1]) لطائف المعارف لابن رجب، (148).

([2]) المرجع السابق.

الكاتب

محمد الخولي

باحث في مجال الدراسات القرانية علوم القرآن

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))