• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

الإعجاز البلاغي في التقديم والتأخير

محمد السيد عبد الرازق موسى

  • التصنيف: بلاغة القرآن
  • تاريخ النشر: 14 ربيع الأول 1436 (5‏/1‏/2015)
  • آخر تحديث: 17 صفر 1437
عدد الزيارات: 31,320
QR Code
18 7
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً وبعد.
 
فإن القرآن الكريم أعظم أنيس وخير جليس، لا يُملّ حديثه ولا تنفد عجائبه، وترداده يزداد فيه تجمّلاً، وإنّ من أسرار القرآن العظيم وروعة بيانه أنّك كلّما أبحرت فيه ازددت تعمّقًا وشوقًا وكلما نهلت من فيضه ومعينه الصّافي ازددت به تعلّقًا وتشبثًا، وما يبعد عنه إلّا من جفا قلبه وغلظ كبده.
 
وهذا كتاب الله تعالى الذي شغل العالم منذ نزوله إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو مصباح الظّلام ومنهل البيان الذي وقف فحول العرب وفصحاؤهم أمامه عاجزين مشدوهين، وهم الذين طالما خاضوا معارك البلاغة والبيان، وتباروا في فنون القول وأسراره حتى أسروا القلوب والأذهان بسحر بيانهم وتبيينهم، وهاهم أولاء يقفون أمام البيان الأعظم مأسورين مشدوهين عاجزين! وقد جاء أسلوب القرآن الكريم في الغاية العظمى من البلاغة والفصاحة، وخرج عن جميع وجوه النظم المتعارف عليها في كلام العرب فتوافر العلماء على البحث في أسراره واستخراج درره، فصنّف فيه الزملكاني والفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة والإمام الرازي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم، والواقع أن المصنفات الأولى في الإعجاز على اختلاف مذاهب أصحابها، جاءت أشبه بمباحث بلاغية مما قدروا أن إعجاز القرآن يُعرف بها، وإن استوعبت أقوال المتكلمين في وجوه الإعجاز، فرسائل الخطّابي السني، والرّمّاني المعتزلي، والباقلّاني الأشعري، تأخذ مكانها في المكتبة البلاغيّة وبعد أن استقلّت البلاغة بالتأليف والتصنيف، وُجّهت إلى خدمة الإعجاز البلاغي.
 
الجرجاني يضع كتابه في النظم والبلاغة ويقدّمه باسم (دلائل الإعجاز)، وأبو هلال العسكريّ يضع علم الفصاحة والبلاغة تاليًا لعلم التّوحيد، والزمخشري وهو من المعتزلة يقرّر أنه لابدّ من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجرى المتأخّرون على أن يجمعوا في الإعجاز كل ما قاله السّلف من وجوه، كصنيع الشيخ محمد عبده في الفصل الذي كتبه في تفسيره (تفسير الذكر الحكيم) عن الإعجاز [1].
 
مشكلة البحث: 
تكمن مشكلة البحث في وجود دقائق نفيسة ولطائف بليغة لأسلوب التقديم والتأخير الذي عدّه ابن جني إحدى صور شجاعة العربية وقوّة لغتها. 
 
ويتنوّع هذا الأسلوب وتتغير دلالته تبعًا لتغيّر السياق وحاجة المقام، فما كان لكلمة أن تتقدم من مكانها دون غاية معنوية وهدف دلالي تريد أن تبثّه في الجملة. والقرآن الكريم كلام الله المعجز وبيانه المحكم يشتمل على هذه الأساليب التي ينبغي الوقوف مع أسرارها ودلائلها.
 
هدف البحث ومنهجه: 
يهدف البحث إلى الوقوف على أساليب التقديم والتأخير ومعرفة لطائفه، فهو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لايزال يفتر لك عن بديعه ويفضي بك إلى لطيفه [2]، ثم يقول: إلا أنّ الشأن في أنّه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدّم فيه موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسّر وجه العناية فيه هذا التفسير [3]. وقد تمثل منهج البحث في الخطوات الآتية:
 
أولاً: التّقديم لمراعاة السّياق وحسن انتظام الكلام.
 
ثانياً: التقديم للاختصاص.
 
ثالثاً: التّقديم بين الآية والآية، وهذه الوقفة تشمل ما يأتي:
1. تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة.
2. تقديم آية على آية في النّزول.
3. تقديم موضوع على آخر في السورة الواحدة.
4. التقديم والتأخير في المتشابه.
 
رابعًا: الخاتمة: وتتضمّن أهم نتائج البحث وبعض التّوصيات.
 
خامسًا: ثبت المصادر والمراجع. 
 
أوّلاً: التّقديم لمراعاة السّياق وحسن انتظام الكلام: 
إنّ الناظر في بستان القرآن الكريم ليجد نفسه في حديقة غنّاء، لا يكاد يخرج من ثمرة إلّا ويجد نفسه قد تعلّقت بأخرى يستنشق عبيرها ويطعم رحيقها في إذكاء روحي منقطع النّظير.
 
والناظر في السّياق القرآني يجد هذا الأسلوب هو "مادة الإعجاز في كلام العرب كلّه، ليس من ذلك شيء إلّا وهو معجز، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزًا، وهو الذي قطع العرب دون المعارضة [4]". والسياق القرآني يحمل الكثير من الخصائص التركيبية التي تسمو على لغة البشر قوة وصفاء ونقاء، وكان سياق التقديم والتأخير واحدًا من فرائد القرآن وخصائصه، سيق لإبراز مقام الموقف بروحه وعمقه، وسوف نقف بإذن الله وتوفيقه مع بعض هذه السياقات:
- التقديم في بعض أسمائه سبحانه: كتقديم (العزيز) على (الحكيم) لأنّه تعالى عز فحكم كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة البقرة، الآية: 129]، وذلك أن معنى (العزيز) لا يغالب، والقادر الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فعله.
 
ومعنى (الحكيم) المدبّر الذي يحكم الصنع ويحسن التدبير، فتكون القدرة متقدّمة على حسن التّدبير [5]. وبالنّظر في الآية الكريمة نجد فيها ترتيبًا آخر اقتضى تنظيم الأفعال داخل السياق فجاء الدعاء ببعث الرسول أولاً {وَابْعَثْ} ثم التلاوة {يَتْلُو} ثم التعليم {وَيُعَلِّمُهُمُ} ثم التزكية والتطهير {وَيُزَكِّيهِمْ}. وفي ترتيب هذه الأفعال وتقديم بعضها على بعض أثر عميق في النفس. إذ يوحي اختيار كلمة البعث في قوله {وَابْعَثْ} بأنهم كانوا كالموتى في أحوالهم، لا يشعرون بشيء من صالح الحياة، فيكون الرسول فيهم بمثابة من بعثهم من رقادهم الجاهلي وموتهم القلبي. وقوله {مِّنْهُمْ} ليكون أرفق بهم وأعلم بشؤونهم وأحوالهم. فإذا تحقق هذا جاءت المرحلة الثانية وهي التلاوة بما فيها من خشوع وتدبّر وترقيق للقلب والنفس، ولذلك اقتضاها السياق إيثارًا على (يقرأ) مثلًا، فإذا تحققت التلاوة بسياجها جاء التعليم الذي يشتمل على الكتاب أي القرآن الكريم وبما فيه من حكمة، أي فقه الشريعة وفهم التأويل، وقيل: "إن المراد بالآيات: ظاهر الألفاظ، والكتاب: معانيها، والحكمة: الحكم وهو مراد الله بالخطاب، والعزيز: الذي لا يعجزه شيء"، قاله ابن كيسان، وقال الكسائي: "العزيز: الغالب" [6]. ولهذا أكّد الضمير المتصل في {إِنَّكَ} بالضمير المنفصل {أَنتَ} للدلالة على أنه لا غالب إلا الله تعالى، فهو سبحانه وتعالى غالب على أمره، يمضي أمره ويمكّن لرسله، ولهذا اقتضى السياق في ختام الآية قوله: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} دون: العليم أو الخبير مثلًا.
 
ولأن لكل مقام مقال، فقد جاءت السياقات المشابهة لهذا المعنى بـ {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} نحو قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة البقرة، الآية: 209]، فقد جاءت الآية على وجه التهديد والوعيد، أي: من ضلّ عن طريق الهداية وانحرف عن سبيل الحق بعد ما تبيّن له البيّنات والحجج ما تبيّن {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وهذا أبلغ في إثبات الروع والمهابة، ولو جاء نوع العذاب محددًا ما بلغ في الحسن مبلغ قوله {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب لا يعجزه الانتقام منكم، (الحكيم) لا ينتقم إلا بحق، وروي أن قارئًا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره، ولم يقرأ القرآن، وقال: "إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه" [7]. وإذا كان الزلل معناه التنحّي عن طريق الحق والهداية، فإن أصله "الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زلّ يزلّ زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه، وقرئ: زللتم، بكسر اللام وهما لغتان" [8]. وقد جاء الفعل (جاءكم) مؤنثاً بتاء التأنيث لأن الفاعل مؤنث (البيّنات) أي: الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة، وقد يأتي مذكّراً مع (البيّنات) في موضع آخر حسب اقتضاء المعنى، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّـهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 86]، فإن المقصود بالبيّنات في هذا الموضع: القرآن الكريم، والله تعالى أعلم، لأنّ ما دلّت عليه الكلمة كان مذكرًا، فقد جاء قبلها قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 85]، وكل من هؤلاء الأنبياء أُنزل عليه كتاب، والكتاب مذكر، ثم ورد في الآية التالية لها، كلمة {الْإِسْلَامِ} والإسلام مذكر، فما دلت عليه كلمة البيّنات كان مذكرًا سواء أكان الكتاب أم كان الإسلام أم كان الكتاب والإسلام معًا، ولهذا جاء فعلها مذكرًا [9]. وقال تعالى في موضع آخر من نفس السورة الكريمة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران، الآية: 105]، فقدّم التفرقة على الاختلاف لأن الأولى سبب في الثانية التي جاءت مترتّبة عليها، فالاختلاف ناجم عن التفرقة وتابع لها، وهو ثمرة من ثمارها، وجاء الفعل {جَاءَهُمُ} في صورة المذكّر، لأن كلمة البيّنات التي وردت في الآية تعني الكتاب كذلك تعني التوراة والإنجيل وكل منهما كتاب [10]
 
وتأتي مواضيع تقديم العزّة على الحكمة في السياقات التي تتحدث عن قدرة الله تعالى ووحدانيّته وذلك نحو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران، الآية: 6]، وقوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران، الآية: 18]، وقوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة المائدة، الآية: 118]، وقوله: {يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة النمل، الآية: 9]. هذا ويتقدّم ذكر العزيز على الحكيم أيضًا في مقام تنزيه الله تعالى وخضوع الكون له سبحانه وذلك نحو قوله تعالى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الجاثية، الآية: 37]، وذلك لأن السياق قبل هذه الآية، تحدّث عن عناد الكافرين وإعراضهم عن منهج الحق، فسلّط الله عليهم عذاب النار لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون فناسب ذلك ذكر العزيز الذي لا يغلبه شيء ولا يفوته. 
 
ويفعل ذلك عن حكمة ويقول تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ * ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّـهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [سورة الجاثية، الآيات: 34-35]. 
 
وفي مقام التّنزيه والتسبيح يقول الحق سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الحديد، الآية: 1]، {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الحشر، الآية: 1]، {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الحشر، الآية: 24]، فناسب هذا المقام ذكر {الْعَزِيزُ} على غيره من الأسماء والصفات، وناسبه التقديم على {الْحَكِيمُ} لئلا يتوهّم أحد أن الله تعالى بحاجة إلى من يسبحه أو ينزهه، بل هو منزه بذاته، قدوس بجلاله، عزيز بقوته وجبروته وحكمته. وقد جاء فعل التسبيح بالماضي {سَبَّحَ لِلَّهِ} كما في أوّل الحديد والحشر -والصف أيضًا-، وختمت سورة الحشر بالمضارع {يُسَبِّحُ} وافتتحت بها سورة الجمعة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [سورة الجمعة، الآية: 1]. لأن هذه الكلمة استأثر الله بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل (سورة الإسراء) فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} [سورة الإسراء، الآية: 1] لأنه الأصل، ثم بالماضي لأنه أسبق الزمانين، ثم بالمستقبل، ثم بالأمر في سورة الأعلى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى، الآية: 1]، استيعابًا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وقوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الحديد، الآية: 2]، لأن التقدير في هذه السور: (سبح لله كل السموات والأرض) وكذلك قال في آخر الحشر بعد قوله: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الحشر، الآية: 24] أي خلقهما [11]
 
وتأتي أيضاً مواضع تقديم العزّة على الحكمة في السياقات التي تتحدث عن النصر وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [سورة آل عمران، الآية: 126]، وقوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة الأنفال، الآية: 10]، فقدّم البشرى على الطمأنينة في سياق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء الذي تكرّر مرتين، لأنّ الطمأنينة ناتجة عن البشرى التي تبعث السرور والراحة في النفس فتنشأ الطمأنينة بالتبعية، وجاء التعبير بلفظة الجلالة {اللَّهَ} لإثبات مقام العزّة وغلبة أمر الله في دحض المشركين. وقد جاءت الآية في آل عمران بإثبات {لَكُمْ} وتأخير به وحذف أسلوب {إِنَّ اللَّهَ}. وفي آية الأنفال بحذف {لَكُمْ} وتقديم {بِهِ} وإثبات {إِنَّ اللَّهَ}، لأن البشرى هنا للمخاطبين، فبيّن وقال: {لَكُمْ}.
 
وفي الأنفال قد تقدّم {لَكُمْ} في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [سورة الأنفال، الآية: 9] فاكتفى بذلك [12]. وفي مقام الحديث عن نصر الله لنبيّه والتمكين له في الأرض ودحض كلمة الكافرين، تقدّم ذكر العزيز على الحكيم، يقول تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة، الآية: 40] فجاء التعبير بالفعل الماضي الدال على التحقيق واليقين في الحديث عن النصر: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} {فَأَنزَل} {وَأَيَّدَهُ} {وَجَعَلَ}. بينما جاء التعبير بالمضارع في تصوير مشهد الغار {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} وذلك لاستحضار صور المشهد بملابساته وما أحيط بهما من مخاطر أدّت إلى فزع أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي نال شرف الكناية عنه في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} وفي مقام الحديث عن كلام الله تعالى والقرآن الكريم وتنزيله من السماء يتقدم أيضًا ذكر العزيز على الحكيم كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة لقمان، الآية: 27]، فلو جعلت الأشجار التي في الأرض أقلامًا لكتابة كلمات الله، وجعل مدادها البحر المتصل بمدار سبعة أبحر أخرى، فإن تلك الأقلام ومعها المداد تنفد دون أن تنفد كلمات الله. وجاء التعبير بالشجرة على الإفراد دون الجمع لإرادة (تفصيل الشجر وتقصّيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلّا قد بريت أقلامًا، فإن قلت: الكلمات جمع كلمة، والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل: كلم الله؟ قلت: معناه أن كلماته لا تفي بكتابتها البحار، فكيف بكلمه؟) [13]
 
ومما ورد من تقديم العزيز على الحكيم في مقام ذكر القرآن الكريم وتنزيله، وقوله تعالى: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [سورة الجاثية، الآيات: 1-2]، وقوله تعالى: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [سورة الأحقاف، الآيات: 1-2].
 
هذا وقد يأتي ذكر (العليم) متقدماً على (الحكيم) في مواضع أخرى تبعاً لاقتضاء المقام وحاجة السياق، وهذا كثير في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [سورة البقرة، الآية: 32]، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [سورة النساء، الآية: 12]، وقوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سورة النساء، الآية: 32]، فجاء الخبر بـ {عَلِيمٌ} والصفة بـ {حَلِيمٌ} ليناسب سياق الآية قبلها فقد كانت تتحدث عن الميراث والوصية التي تكون أحد أمرين: عدل أو جور. فجاء التحذير بأن الله تعالى يطلع على ذلك ويعلمه وهو سبحانه {حَلِيمٌ} عن الظالم والجائر، فلا يعجل عليه بالعقاب عساه أن يرجع إلى رشده فإذا ظلم في وصيته، وفي الآية نكتة بلاغية أخرى ألا وهي تقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين، فإن وفاء الدين سابق على الوصية، ولكن قدّم الوصية لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها بخلاف الدين [14]. وفي مقام آخر يقول تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة النساء، الآية: 26] فهو سبحانه عليم بأمور الخلق وما يناسبهم ويصلحهم، وهو يهديهم إلى الرشاد بعلمه المحكم وحكمته البالغة، ولذلك تغاير السياق هنا، وجاءت الحكمة رديف العلم، وجاء الحلم رديف العلم في سياق الآية السابقة للمعنى المشار إليه آنفًا. وربما جاءت آيات أخرى حاملة في سياقاتها أسلوبًا آخر على خلاف ما سبق، تقدّم فيه (الحكيم) على (العليم) لعلّة يقتضيها السياق، وذلك نحو قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنعام، الآية: 83] فسبق الحكم هنا العلم، لأن المقام اقتضى ذلك من خلال الحديث عن الحكمة التي لقّنها الله تعالى نبيّه إبراهيم، وأشار إليها بقوله: {وَتِلْكَ} فاستطاع أن يحتجّ بها على قومه، وكان أن نال من الله الرفعة في الدرجات، وذلك بمقتضى الحكمة الإلهية في تصريف الشؤون والأحوال. ومثال ذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [سورة الزخرف، الآية: 84] فاقتضى المعنى أن تسبق الحكمة العلم في هذا السياق أيضًا لأن الآية الكريمة تتحدث عن صفة الألوهية، وما يتصف به الله عز وجل من حكمة في تصريف الكون وتشريع الأحكام. وقد ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله {فِي السَّمَاءِ} {وَفِي الْأَرْضِ}، كما تقول هو حاتم طيّ حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت هو جواد في طي جواد في تغلب [15]. وقد سبق الحكم العلم أيضًا في موضع آخر في قوله تعالى: {كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [سورة الذاريات، الآية: 30]. فهذا مقام من مقامات التصريف الإلهي العجيب أيضًا وهو يحمل غرابة الموقف واستحالة حدوثه في العرف البشري وكان أن كان، وولدت العجوز من الشيخ الهرم! وفي موضع لا نظير له في القرآن يتقدّم {عَلِيٌّ} على {حَكِيمٌ} وذلك في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [سورة الشورى، الآية: 51]، والمعنى: تعالى عن أن يكلّم أو يكلّم شفاهًا، حكيم في تقسيم وجوه التكليم [16]، ولتمام هذا المعنى وإحكامه، صُدّرت الآية بأسلوب القصر المتمثل في النفي والاستثناء ثم توالت النكرات في سياقها لإفادة العموم: {لِبَشَرٍ} {وَحْيًا} {حِجَابٍ} {رَسُولًا} وذلك في ظلال الإيقاع الصوتي الناشئ من قوله: وحيًا فيوحي، أو يرسل رسولًا. وفي سورة المجادلة تبادلت الكلمات المواضع تبعًا للمعنى الوارد في السياق ففي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة، الآية: 3]، وقال أيضاً في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة، الآية: 11]، وقال جل شأنه في نفس السورة أيضاً: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة المجادلة، الآية: 13]. فالموضع الأول والثاني يتعلّقان بالعمل، فلا يمسّ الرجل زوجته التي ظاهر منها إلا بعد تحرير رقبة في الموضع الأول، والثاني يتعلق بعمل التفسّح في المجالس والنشوز والإرتفاع عنها. أما الموضع الثالث فلا يتعلق بعمل، وإنما يتعلق بالتخفيف الذي نزل إلى المؤمنين ورفع عنهم أمر الله بتقديم الصدقات عند مناجاة النبي لعلمه سبحانه بمشقّة هذا الأمر عليهم، فهو خبير بالنفوس وخفايا القلوب. 
 
- تقديم السمع: اطّرد تقديم السمع في القرآن الكريم سواء أكان على البصر أو الرؤية أو العلم أو القرب. في شأن الخالق أو شأن المخلوقين، وذلك نحو قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [سورة الأنعام، الآية: 46]، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الإسراء، الآية: 1]، {قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [سورة طه، الآية: 46]. وفي مجال تقديم السمع على العلم وما جرى مجراه قد أتى في اثنين وثلاثين موضعًا، هي كل ما جاء فيه [17]، وقدّم السمع على القرب في قوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سورة سبأ، الآية: 50]. ولا يقف سر هذا التقديم عند تشريف المقدّم على المؤخّر، ولكن المقام يحتمل تفسيرًا آخر. فتقديم السمع على البصر لكونه أهم منه، لأن ما يحصل من ضروب المعرفة عن طريق السمع لا يحصل عن البصر، والبصر يتوقف في تحصيله للعلم على وسائط لا يتوقف عليها السمع [18].
 
وقد ورد في القرآن الكريم بعض آيات تقدّم فيها البصر على السمع لعلّة يحملها السياق ومن ذلك قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [سورة الكهف، الآية: 26] فتقدم البصر على السمع على خلاف المعتاد في آيات الذكر الحكيم، لأن الحديث والله تعالى أعلم يختصّ بجناب الله تعالى وقدرته على العلم بدقائق الأشياء فيستوي عنده كل شيء، يقول الزمخشري: "وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنّه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يدرك أكبرها حجمًا وأكثفها جرمًا ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر" [19].
 
وفي سياق الحديث عن الكافرين خصوصًا في مشهد القيامة وساحة العرض، يتغير أيضاً ترتيب السمع والبصر ليتقدم الأخير، يقول تعالى: {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 97]، وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [سورة السجدة، الآية: 12] فلم يعد هناك وجه انتفاع بسمع يفيد الطاعة والصلاح، بل لعله قدّم البصر في مثل هذه المشاهد لينبئ عن حالهم من الإعراض وعدم الإقتناع اللازم لثبوت اليقين وكأنهم كانوا في ريب من ذلك اليوم، وهاهم أولاء قد رأوه بأعينهم.
 
- الجن والإنس: الجن والإنس من المخلوقات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم كثيرًا، وقد جاءت على غير نسق واحد، بل جاءت بعض السياقات قدّم فيها الجن على الإنس، وأخرى قدّم فيها الإنس على الجن، وذلك تبعًا لاقتضاء المقام وتحرير المعنى، فمن السياقات التي ورد فيها ذكر الجن مقدمًا، قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنعام، الآية: 128]، فالخطاب هنا واقع في يوم الحشر، وهو موجّه إلى الجن على سبيل التبكيت على ما فعلوه من الاستكثار من الإنس وغوايتهم ولمزيد من التحقير حذف فعل القول أو النداء والتقدير. ويوم يحشرهم جميعًا فينادي عليهم أو فيقال لهم والله تعالى أعلم. وفي سورة الذاريات حملت الآية جملة خبرية مقتضاها أن خلق الجن والإنس هو من أجل عبادة الله وحده، فقدّم ذكر الجن لسبقه في الخلق، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، الآية: 56]. 
 
وكذلك الشأن إذا جاء ذكر الإنس مقدمًا على الجن فلابد من سبب في السياق اقتضى ذلك قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 88] فقدّم الإنس على الجن لأن التحدّي وقع على الناس أولًا حيث أن الرسول مبعوث أصلًا إلى الناس ويعضد التقديم أيضًا ما جاء بعد الآية المذكورة [20]، قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا} [سورة الإسراء، الآيات: 89-90].
 
- تقديم السماء على الأرض: عندما تقدّم السماء على الأرض فهذا هو الأصل الوارد في سياقات القرآن وهو لحكمة يقتضيها السياق ويتطلّبها المقام كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [سورة فاطر، الآية: 38]، ولا شك في أن ما غاب في السموات كان أعظم وأكثر وأشمل، فقدّم ذكرها ثم قال في نفس السورة: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [سورة فاطر، الآية: 40]، فذكرت الأرض أولًا لأنه في سياق تعجيز الشركاء عن الخلق والمشاركة وأمر الأرض في ذلك أيسر من السماء بكثير، فبدأ بالأرض مبالغة في بيان عجزهم، ثم قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [سورة فاطر، الآية: 41]، فقدّم السموات تنبيهًا على عظم قدرته سبحانه لأن خلقها أكبر من خلق الأرض [21]
 
وبالنظر إلى سياق الآيات السابقة نجد أن السموات مقدّمة على الأرض وهذا هو الكثير المعتاد في آيات القرآن الكريم، وقد تقدّم الأرض على السماء خلافًا لهذا الأصل تبعًا لاقتضاء السياق كما في قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة، الآية: 22]. والله تعالى أعلم فلعله بدأ بذكر الأرض لأنها أقرب إلى النظر والتأمل وفيها المستقر والمعاش والفراش وقد وردت هذه الآية في سياق توجيه النظر إلى وجوب عبادة الله وحده وشكره على نعمه، فقال تعالى قبل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة، الآية: 21]، وقوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سورة يونس، الآية: 61]، لأن الكلام قبل الآية على أهل الأرض [22]، حيث قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [سورة يونس، الآية: 61]، وقال الزمخشري: "فإن قلت لم قدّمت الأرض على السماء بخلاف قوله تعالى في سورة سبأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سورة سبأ، الآية: 3]، قلت: حق السماء أن تقدّم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ} لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية [23]. وقدّم ذكر الأرض على السماء أيضًا في سورة إبراهيم في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [سورة إبراهيم، الآية: 38]، فقدّم ذكر الأرض أولًا لأنها خلقت قبل السماء ولأن هذا الداعي في الأرض. وقدّمت الأرض في خمس سور: آل عمران الآية (5) ويونس الآية (61) وإبراهيم الآية (38) وطه الآية (4) والعنكبوت الآية (22) [24]. ولم يذكر الكرماني الموضع السادس الوارد في آية (40) من سورة فاطر.
 
- وقد تتقدم الكلمة في القرآن الكريم لاقتضاء المقام وسياق الأسباب التي ينبغي للمتأمل أن يراها ويعلمها كتقديم غض البصر على حفظ الفرج كما في قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [سورة النور، الآية: 30]، فالغض من البصر سبيل عفة الفروج وحفظها وهي سبب أيضًا في عدم حفظها، ولهذا قدّم (الغض من البصر) على (حفظ الفروج) للتنبيه على شدّة أثرها في إثارة النفس ومن ثم فالحث على فضيلة غض البصر من أجل العفة. وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج، قلت: لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر" [25]
 
- وقد يكون التقديم لتعظيم المقدّم وتشريفه، بتقديم لفظ الجلالة على الرسول، في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء، الآية: 69]، وفي الآية الكريمة إجمال في قوله: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} ثم تفصيل: {مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}، وفيه إثارة ذهنية وتشويق نفسي للوقوف على تعريفهم، فإذا استشرفت النفس لهذا وتهيّأت له، وقفت على الترتيب من حيث العظمة والتشريف. الأول فالأول {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}. 
 
- وقد يكون التقديم للفت الانتباه لعظم الرسالة وشرفها على النبوة، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة الحج، الآية: 52]، فقد ظهر من الآية عدم المساواة في القدر والمنزلة بين الرسول والنبي، فالرسول من جمع إلى معجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله [26]
 
وقد يكون التقديم على عكس ما سبق فيتقدّم ذكر الكلمة من أجل بيان سوء المصير وتحقيره والتنفير منه، وذلك كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [سورة هود، الآيات: 105-106]، فتصدير الآية بكلمة {يَوْمَ} مع تنكيرها أبلغ في الروع والفزع، وفي نفي الكلام عن النفس على عمومها  -كما أفاد التنكير أيضًا- في سياق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء والتعبير بالمضارع {يَأْتِ} لاستحضار الصورة مزيد من إضفاء هذا المشهد بجلاله ومهابته. ثم بعد هذا الحشد البلاغي يأتي التقسيم والتفصيل: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} مع تقديم للشقي للسبب السالف الذكر. وهذا أيضًا فيه إجمال، أتى بعده التفصيل الآخر الذي تناول الشقي بتكرار ذكره وبيان مكانه {فَفِي النَّارِ} لتكون وعاء لهم، يعيشون فيها حياتهم بالزفير والشهيق، وهو ما عرفوه في حياتهم الدنيا ومارسوه، ليستحضروا بذلك المشهد الحياة الحقيقية داخل النار -عياذًا بالله- وقد تأتي الكلمة مقدمة لبيان الترتيب والسبق: فمن حيث السبق في الزمان: قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ} [سورة آل عمران، الآية: 68]، ومن حيث السبق في الإيجاد: قوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [سورة البقرة، الآية: 255] لأن العادة في البشر أن تأخذ العبد السنة قبل النوم، فجاءت العبارة على حسب هذه العادة، ذكره السهيلي وذكر معها وجهًا آخر، وهو أنها وردت في معرض التمدح والثناء وافتقاد السنة أبلغ في التنزيه فبدأ بالأفضل، لأنه إذا استحالت عليه السنة فأحرى أن يستحيل عليه النوم [27]. وقد تتقدم الكلمة من موقعها في السياق بعدما جاءت في صدر الآية على خلاف ذلك، كقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة، الآية: 143]، فقد تأخّر المتعلّق على شبه الفعل في قوله {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وتقدّم في قوله {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وذلك لأن الغرض في الأولى إثبات شهادتهم على الأمم وليس فيها معنى الاختصاص، وفي الثانية اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم وليس مجرد إثبات شهادته عليهم [28]. ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [سورة آل عمران، الآية: 106] فصدر الآية جاء في سياق المقابلة على هيئة الإجمال ثم التفصيل الذي بدأ بالذين اسودّت وجوههم، في حين أن البداية كانت بالذين ابيضّت وجوههم، وفي ذلك تلوين للخطاب لإدخال البشر والتفاؤل أولًا لتعظيم هذه الفئة ثم الانتهاء بذكرهم أيضاً تعظيماً وتشريفاً، ولذلك بدأ التفصيل بما انتهى إليه الإجمال والله تعالى أعلم. 
 
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور، الآية: 2]، ثم قال جل شأنه: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [سورة النور، الآية: 3] قدّم الزانية في السياق الأول لأن الكلام كان عن حد الزنا وهو الجلد، وفيه لفت للنظر وإيحاء للبشر للمحافظة على عفاف المجتمع عن طريق صيانة المرأة، لأنها إذا فسقت كانت سببًا في انتشار تلك الجريمة، أما المقام الثاني فكانت بداية الآية فيه بالرجل {الزَّانِي} وهي مسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطلب [29].
 
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة الجمعة، الآية: 11] تقدمت التجارة على اللهو أولًا ثم تأخرت ثانيًا. ربما كان الاعتبار هنا في هذا المقام على أنها بمثابة الشيء الواحد، لأن السياق أفاد ذمّ هذا الفعل واستنكاره، وبدليل أنه قال {انفَضُّوا إِلَيْهَا}، ولم يقل انفضوا إليهما، لأن الإنسان إذا ترك خطبة الجمعة وانصرف إلى التجارة فقد فعل اللهو والعبث، فما بالنا إذا كان هذا مع النبي؟! هذا ومن المعلوم أنه لا يجوز أثناء الخطبة مجرد الكلام أو العبث بالثياب ونحوه، فما الأمر إذا كان الخروج للتجارة التي كان يصاحبها الطبل وقتذاك ؟! فقدّم اللهو في المرة الثانية للتنبيه على قبح فعلهم وشنيعه.
 
ثانيًا: التقديم للاختصاص: 
قد يتقدم المفعول على فعله أو يتقدم الجار والمجرور أو الظرف والحال ونحو ذلك لأجل فضيلة الاختصاص، وهو إما بالتعيين في التردد، أو بردّ الخطأ، أي خطأ السامع في تعيين المفعول ونحوه إلى الصواب، وهو المراد من التخصيص، كما في اعتقاد العكس أو الاشتراك كقولك: زيدًا عرفت، لمن تردد، إشارة إلى أنه اعتقد أنك عرفت إنسانًا، لكن يتردد في تعيين أنك زيدًا عرفت أم عمرًا، فقولك زيدًا عرفت، تعيين وتخصيص، أو لمن أخطأ في اعتقاده، بأن اعتقد أنك عرفت عمرًا دون زيد، على عكس عرفانك، فقولك زيدًا عرفت، يفيد الاختصاص برد الخطأ [30]، وإذا قلنا الماء شربت لا غيره، فهذا من الاختصاص الذي يشمل قصر القلب والإفراد والتعيين.
 
- تقديم المفعول: ورد تقديم المفعول على فعله أو فاعله لمزية يقتضيها المعنى المراد بثّه في النفوس ومن ذلك قوله تعالى: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [سورة الأعراف، الآية: 177]، فلو جاء السياق مثلًا: كانوا يظلمون أنفسهم لما تحققت مزية تخصيص أنفسهم وحدهم بالظلم، فجاء تقديم المفعول به للاختصاص كأنه قيل: وخصّوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها [31]، وهنا إبراز للنفس التي ظلمت وتخيّل لأثره عليها. ومن ذلك قوله تعالى: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [سورة إبراهيم، الآية: 50]، ففي قوله: {وُجُوهَهُمُ} مجاز مرسل علاقته الجزئية، حيث ذكر الجزء، وهو الوجوه، ذكر الحاصل هو أن النار تغشى جميع أبدانهم، ولكن في تخصيص ذكر الوجوه وتقديمها لفت للانتباه لما يلحقهم من المهانة والذلة وهم الذين أرادوا الوجاهة والمنزلة في قومهم، ومن قوله: {مِّن قَطِرَانٍ} بيانية أي من هذا الجنس.
 
- تقديم الجار والمجرور: قد يقع الظرف خبرًا، أو يتقدّم الجار الأصلي فيكون خبرًا، وحينئذ يشترط في الظرف الواقع خبرًا وفي الجار الأصلي مع المجرور كذلك أن يكون تامًا، أي يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره، ويكمل به المعنى المطلوب من غير خفاء ولا لبس [32]، ولابد للظرف أو الجار والمجرور من متعلق حتى تتم الفائدة أو المعنى وإلا لم يكن منهما فائدة. وسوف نقف مع بعض النماذج القرآنية لنرى ما أفاء الله به من أسرار بلاغية لهذا التقديم. يقول تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة، الآية: 63]، لقد حملت الآية الكريمة على من يحادد الله ورسوله، فكان الزجر والوعيد الناشئ عن الاستفهام في صدر الآية، وتوكيد الخبر بأنّ وإسمية الجملة، لأن المنافقين مع علمهم بهذه الحقيقة نزلوا منزلة من يجهلها وينكرها لعدم جريهم في الاعتقاد والسلوك وفق ما يقتضيه علمهم، وتقديم الخبر {لَهُ} على اسم {أَنَّ}: {نَارَ جَهَنَّمَ} لإفادة القصر، أي له لا لغيره، والإفراد في {لَهُ} و {خَالِدًا} مراد به العموم [33]. ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [سورة إبراهيم، الآيات: 11-12]، ففي تقديم الجار والمجرور في لفظة الجلالة {وَعَلَى اللَّـهِ} في الآيتين لإفادة القصر والتخصيص أي: التوكل والاعتماد لا يكون إلا على الله لا على غيره. وجاء لفظ {الْمُؤْمِنُونَ} في الآية الأولى لأنه أمر من رسلهم للمؤمنين الذين آمنوا بالتوكل على الله وحده، وهذا من علامة الإيمان الصادق. وجاء لفظ {الْمُتَوَكِّلُونَ} في الآية الثانية ليكون معناه، فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم [34].
 
ومن ذلك أيضاً ما جاء في نفس السورة قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [سورة إبراهيم، الآية: 21]، جاء تقديم {لَكُمْ} على {تَبَعًا} لإفادة تخصيص التبعية لهم وقصرها عليهم دون غيرهم وحبس حياتهم رهن إشارتهم، وفيه إظهار مدى ندامتهم وحسرتهم على تلك التبعية لسادتهم الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا عنهم ولا عن أنفسهم شيئًا وقد هلك الجميع. ومما جاء في تخصيص الملك والحمد بالله وحده دون غيره قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة التغابن، الآية: 1]، وقد وقف ابن الأثير رحمه الله أمام بعض الآيات الواردة في مثل هذه السياقات السابقة ورفض أن تكون للاختصاص، ونعى على من احتسبها كذلك، كتقديم الظرف في قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة الشورى، الآية: 10]، {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [سورة الشورى، الآية: 53]، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة، الآيات: 22-23]، {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [سورة القيامة، الآيات: 29-30]، فقال ابن الأثير: فإن هذا روعي فيه حسن النظم، لا الاختصاص في تقديم الظرف. وفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة على مواضع أخرى وردت للاختصاص وليست كذلك [35].
 
ولا عجب أن يكون التقديم في تلك الآيات للاختصاص مع إفادة الغرض الذي أشار إليه، لأن المعنى يقتضي ذلك ويتطلبه، فكيف لا نقول أن تقديم {عَلَيْهِ} على {تَوَكَّلْتُ} يفيد قصر التوكل على الله لا على غيره؟! وكذلك الإنابة إليه دون غيره، وهذا من كمال التوحيد ونقاء العقيدة. ولو فرضنا السياق جاء على غير هذا التقديم، وكان مثلًا: توكلت عليه وأنبت إليه، لافتقد السياق مزية حسن النظم، وجلاء المعنى أيضًا فإن الجملة الأخيرة التي تأت على التقديم لتفيد أن التوكل عليه وعلى غيره أو الإنابة إليه ولا يمنع أن تكون إلى غيره! ولكن بالتقديم سدت جميع الأبواب وقصرت التوكّل على الله وحده والإنابة إليه وحده دون غيره. 
 
وفي آية الغاشية التي رفض ابن الأثير جعلها للاختصاص، وقد ناقض نفسه بقوله: أي تنظر إلى ربها دون غيره، فتقديم الظرف هنا ليس للاختصاص [36]! فكيف لا يكون تقديم الظرف للاختصاص، وهو يقول تنظر إلى ربها دون غيره! ويقول الزمخشري: "ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [سورة القيامة، الآية: 12]، {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [سورة القيامة، الآية: 30]، {إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [سورة الشورى، الآية: 53]، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [سورة آل عمران، الآية: 28]، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البقرة، الآية، 245]، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة الشورى، الآية: 10]، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص [37].
 
ومما جاء في التقديم لإفادة التخصيص ورعاية الفاصلة، قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [سورة البقرة، الآية: 90]، {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [سورة النساء، الآية: 14]، ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الروم، الآية: 47]، فتقديم التوكيد{حَقًّا} وتقديم خبر كان {عَلَيْنَا} لإشعار المؤمنين بالنصر المحقق الذي لا مرية فيه وفي هذا ترسيخ للعقيدة وحسن التوكّل على الله والثقة فيه لا في غيره، عندما يشعر المؤمن بأن النصر مختص بالله مقصور عليه سبحانه.
 
ثالثًا: التقديم بين الآية والآية: 
في هذه الوقفة نرى أسرارًا أخرى لأسلوب التقديم مغايرة للمواضيع السابقة، والمقصود بهذا التقديم الذي يأتي بين الآية والآية هو ما ننظر إليه من حيث تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة، أو تقديم آية على آية في النزول، أو تقديم موضع على آخر في السورة الواحدة، أو التقديم والتأخير في المتشابه. 
- أولاً: تقديم صيغة على أخرى في بعض آيات السورة الواحدة: 
وقد ورد ذلك في بعض المواضع من آيات الذكر الحكيم لعلة يقتضيها السياق ويتطلّبها المعنى، وذلك نحو قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [سورة البقرة، الآية: 276]، وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة البقرة، الآية: 283]، فقد وردت الصيغتان في الآيتين وهما: {أَثِيمٍ} {آثِمٌ}، وتقدّمت الصيغة الأولى على الثانية للفارق المعنوي بينهما، فـ {أَثِيمٍ} صفة مشبّهة باسم الفاعل، وهي صيغة مبالغة تفيد الإقامة على فعل ذلك الإثم والإصرار عليه والتمعّن فيه بلامبالاة، و{أَثِيمٍ}: من قوم أثماء، والأثيم:الفاجر [38]. فقد وردت صيغة {أَثِيمٍ} في سياق الحديث عن الربا ومحقه والنفير منه، قال الزمخشري: "في قوله تعالى: {كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار (قوم أثماء) لا من فعل المسلمين" [39].
 
أما الآية الأخرى فقد وردت في سياق النهي عن كتمان الشهادة {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} ثم الوعيد من التهديد عن طريق أسلوب الشرط {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. وكتمان الشهادة أقل جرمًا من تعاطي الربا وممارسته الذي يتأذى منه المجتمع كله، بينما تأتي ثمرة كتمان الشهادة المرّة على الأفراد. وقد أسند الإثم إلى القلب لأن كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلّم بها، فلما كان إثما مقترفًا بالقلب أسند إليه، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: قد تمكّن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه [40].
 
ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [سورة الأنعام، الآية: 63]، وقوله: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} [سورة الأنعام، الآية: 64]، وقد وردت صيغتان في الآية الكريمة: {يُنَجِّيكُم} {أَنجَانَا}، وقدّم الأولى على الثانية لاقتضاء المعنى الذي ينتقي الألفاظ ويحددها، فإن الألفاظ في القرآن نزلت من لدن القدرة الإلهية معبّرة عن معانيها الدقيقة، فإذا وردت مادة بصيغتين أو أكثر، فليس ذلك فرارًا من التكرار، وإنما يحدث لأن كل صيغة تعبّر عن معنى لا تعبّر عنه الصيغة الأخرى، مهما تقاربتا [41].
 
فالصيغة الأولى التي جاءت بالتشديد {يُنَجِّيكُم} إنما جاءت في جناب الله وحقه، وجاءت في صيغة الاستفهام المجاب عنه في الآية التي تلتها مباشرة {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم} فهي نجاة بالغة العظمة والقدرة، وهي تستمر نجاة بعد نجاة. أما الصيغة الثانية فقد كانت دعاء منهم، وكانت (أنجى) دالة على قلّة احتمال حدوث النجاة، فقد سبقها {لَّئِنْ} تأتي لتقليل حدوث فعل الشرط ولهذا بالغوا في جواب {لَّئِنْ} عن طريق التوكيد باللام ونون التوكيد الثقيلة: {لَنَكُونَنَّ} رغبة في تقوية حدوث فعل الشرط الذي تتوقف على حدوثه حياتهم [42]. ومن ذلك ما جاء أيضًا في سورة غافر في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [سورة غافر، الآية: 28]، فقدّمت صيغة اسم الفاعل {كَاذِبًا} على صيغة المبالغة {كَذَّابٌ} فالأولى وقعت في سياق يوحي بانتفاء الكذب من أصله لتقديم قوله: {وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} فكيف بمن جاء بالبيّنات من ربه أن يكون متّصفًا ولو أدنى اتصاف بالكذب؟! ولذلك جاءت الصيغة {كَاذِبًا} في سياق {إِن} الشرطية مع حذف النون من {يَكُ} فلم يقل يكن وهو الأصل ليشعر بانتفاء ذلك، هذا بالإضافة إلى تنكير {كَاذِبًا} في سياق الشرط لإفادة العموم، أي: وإن يك كاذبًا ما، يعني إن وُجد ذلك من أصله.
 
أما صيغة {كَذَّابٌ} فهي لإفادة المبالغة كما سبق ذكره، وهي ترسم صورة لهذا الذي يمارس الكذب ويتعاطاه في كل أحوال حياته، حتى استحقّ تعريفه بالمسرف، وعدم الهداية من الله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}، ومن ذلك أيضًا ما جاء في سورة التحريم في قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [سورة التحريم، الآية: 3]. فجاءت صيغة {نَبَّأَهَا} متقدمة على {أَنبَأَكَ} ثم أعيدت صيغة {نَبَّأَنِيَ} مرة أخرى، لأنّ الصيغتين {نَبَّأَ} في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وما ينبّئ به فهو حق اليقين لأنه لا ينطق عن الهوى، و{مَنْ أَنبَأَكَ} حكاية عن كلام أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، وهي لم تبلغ مبلغ يقين الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الراغب الأصفهاني: "نبّأته أبلغ من أنبأته {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة فصلت، الآية: 50]، {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [سورة القيامة، الآية: 13]، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [سورة التحريم، الآية: 3]، ولم يقل أنبأني بل عدل إلى نبأ الذي هو أبلغ تنبيهًا على تحقيقها وكونه من قبل الله [43]. ومن ذلك أيضًا ما جاء بصيغة المبني للمجهول سابقًا ومتقدّمًا على المبني للمعلوم خلافًا للمعهود وذلك في قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [سورة الإنسان، الآيات: 15-16]، وقوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا} [سورة الإنسان، الآية: 19]. قال الكرماني [44]: "إنما ذكر الأول بلفظ المجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون، ولهذا قال: {بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} ثم ذكر الطائفين فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} فالصيغة الأولى جاءت بالبناء للمجهول لأن الفاعل غير مراد، ولكن المراد تسليط الضوء ولفت الذهن إلى النعم المتعددة في السياق، فإذا انتهى من تعداد ذلك، كان لائقًا التعقيب بذكر هؤلاء الغلمان الذين يقومون بخدمة المؤمنين ويقدّمون لهم ما يقدّم من ألوان هذه النعم التي ذكرت من قبل، وإنه لمن المعقول حقًا أن يتقدّم تعداد النعم على من يقومون بتقديمها" [45]
 
ومن ذلك أيضًا ما جاء مقدّمًا بالتضعيف على وزن (فعّل) على الفعل المهموز على وزن أفعل، يقول تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [سورة الطارق، الآية: 17]، وقد نصّ الكرماني [46] على أن ذلك ليس من التكرار، والتقدير: مهّل، مهل لكنه عدل في الثاني إلى قوله: أمهل كراهة التكرار وخالفة الزمخشري واعتبره من التكرار، فقال: أي إمهالًا يسيرًا، وكرّر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتبصّير [47]. أي: في ذلك إشاعة جو من الطمأنينة والسكينة في قلب النبي وقلب المؤمنين ليثبتوا مع النبي ويصبروا على أذى الكافرين. وهذا وإذا كان ختام السورة بهذا التكرار المؤدي للتوكيد، فإن فيه اتفاق واتساق مع بداية السورة بالقسم المفيد للتوكيد أيضًا ثم بتكرار كلمة الطارق التي أشاعت جرسًا قويّ الإيقاع في جو المشهد.
 
- ثانيًا: تقديم آية على أخرى في النزول: 
من المعلوم أن من الآيات ما نزل لسبب من الأسباب أو لمعالجة موقف من المواقف التي وقعت في حياة المسلمين ومنها ما نزل لإثبات حكم شرعي أراده الله لصالح الحياة والممات. وكانت هذه الآيات تناسب أحوال الناس وعمر الدعوة الإسلامية فيهم ومدى صلابة العقيدة في ذلك الوقت، فما نزل بمكّة يختلف في الأحكام والشرائع عمّا نزل بالمدينة، فإن من أسرار القرآن أنه يمسك بأحوال النفس الإنسانية كلها، ويجيء إليها بما يناسب كل حال منها في مواجهتها للأحداث وفي تصورها لها وإحساسها بها [48].
 
وإذا نظرنا إلى أوّل ما نزل من القرآن الكريم فسنجد قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [سورة العلق، الآيات: 1-2]، فجاء الخبر بأن الله خلق الإنسان من علق، والعلقة (الدم الجامد). وإذا جرى فهو الدم المسفوح وقال: {مِنْ عَلَقٍ} بجمع علق، لأن المراد بالإنسان الجنس، وإذا كان المراد بقوله: {الَّذِي خَلَقَ} كل المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفًا له، وإذا كان المراد بالذي خلق: الذي خلق الإنسان، فيكون الثاني تفسيرًا للأول، والنكتة ما في الإبهام ثم التفسير، من التفات الذهن وتطلّعه إلى معرفة ما أبهم أولًا، ثم فسّر ثانيًا [49]. وهذه الآية مكّية وقد تقدّمت في النزول على آية سورة المؤمنون وهي مكّية أيضاً وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [سورة المؤمنون، الآيات: 12-14]، والعلّة في ذلك والله تعالى أعلم أن آية العلق كانت في بداية ظهور الإسلام وأولى نسائمه ولم تكن النفوس مهيّئة لاستقبال الأمر المفصّل أو الشرح المطوّل بدقائقه، فأجمل لكي يمسّ القلب ويطرقه طرقًا خفيفًا يوقظ الذهن من غفوته وغفلته، ثم جاء بعد ذلك التفصيل ووصف المراحل الدقيقة في سورة المؤمنون بعدها تهيّأت النفوس لذلك واستعدّت لاستقباله وفهمه.
 
ومن ذلك أيضًا ما جاء من الآيات مقدّمًا بعضه على بعض في تحريم شرب الخمر، وذلك مراعاة لمقتضى الحالة التي كان عليها المسلمون من شربها في ذلك الوقت، فلم يكن سهلًا أن ينقلهم الإسلام فجأة من المألوف إلى التحريم، فنزلت الآيات بالتدرّج في مراحل التحريم، فتقدّمت أولًا آية بيان الإثم الأكبر والمنافع الأقل للخمر، فأصبح التنفير واقعًا في النفس، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 219]، ثم نزل في مراحل ثانية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [سورة النساء، الآية: 43]، فانتقل المسلمون مع هذه الآية نقلة ثانية تالية للمرحلة الأولى، فصاروا يتجنبون شربها في النهار الجامع لأطراف الصلاة، حتى أصبح الوقت المباح لشربها هو الليل وقليل فاعله، ثم كانت المرحلة الأخيرة التي أتمّ الله تعالى فيها التحريم القاطع إلى يوم الدين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة، الآية: 90]، فهم في هذه المرحلة كانوا على أتم الاستعداد النفسي والجسدي لاستقبال هذا الأمر وتنفيذه من فوره دون معاناة أو تملل.
 
صورة أخرى متكاملة تحمل أجزاء المشهد الواحد لو ضُم بعضه إلى بعض، ولكنه يبدأ بأخف المراحل فيقدّمها أولًا ثمّ يتدرّج إلى الأشدّ حتى يبلغ الغاية ويفي بها. إن ذاك مع عصا موسى عليه السلام، يقول تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} [سورة طه، الآيات: 18-20]، ويقول تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [سورة النمل، الآية: 10]، ويقول تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [سورة القصص، الآية: 31]، ويقول تعالى: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [سورة الأعراف، الآية: 107]، ويقول تعالى: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [سورة الشعراء، الآية: 32]، ونفهم من هذا الترتيب أن أول اختبار لموسى مع العصا أنها ظهرت له في صورة {حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} فوقع في نفسه ما وقع من خوف. ثم جاء الاختبار الثاني في سورة النمل وهي متأخرة نزولًا عن سورة طه وفيها تظهر العصا حيّة في ضخامتها وجانًا في انطلاقها واقتضاها ولهذا لم يخف مجرد خوف كما فعل حين واجه الحية ولكنه ولى مدبرًا ولم يعقب [50]، أما الصورة الثالثة فهي تحوّل العصا إلى ثعبان مبين، وهذا المشهد قد وصل إلى ذروته لأن مشهد إلقاء العصا يغاير المشهدين السابقين الذين كانا على سبيل الإعداد والتجهيز النفسي. أما المشهد الثالث فهو مشهد الواقعة والتحدي، فكانت الصورة التي جمعت بين الحية والجان في كيان واحد قد برزت كاملة في قوله تعالى: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}، ثعبان لا كالثعابين. وإنما هو ثعبان عظيم. فيه خفّة الثعبان ونشاطه وعظم الحية وضخامتها. وفي كلا الموضعين تقع الصورة التي تجيء عليها المعجزة على حال واحدة. ولهذا جاء النظم القرآني لهما على سواء [51]، {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} في سورتي الأعراف والشعراء.
 
- ثالثًا: تقديم موضوع على آخر في السورة الواحدة: 
اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن هل هو توقيفي أو باجتهاد الصحابة، وكان جمهور العلماء على أنه ليس توقيفيًا بل هو من اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم أما الآيات فقد كان الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وقال عثمان رضي الله عنه كان رسول الله تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» [52]. ومعظم السور القرآنية قد اشتملت على موضوعات متعددة كالسبع الطوال والمئين والمثاني والمفصل. وهذه الآيات الموضوعية قد تقدّم بعضها على بعض بتوقيف من الله عز وجل وتظهر في ذلك نكتة بلاغية، نتبينها في المثال الآتي، ألا وهو سورة البقرة وهي على طولها ووضوح تفصيلها تتكون مما يأتي [53]
* المقدمة: الآيات (1-20) 
وهي في التعريف بشأن هذا القرآن (أي في هذه السورة) وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدًا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم.
* المقصد الأول: الآيات (21-25) 
وجاء في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام ثم عود على بدء في أربع عشرة آية من (26-39).
* المقصد الثاني: الآيات (40-126) 
في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق وعلى ذلك مدخل إلى المقصد الثالث في خمس عشرة آية من (163–177).
* المقصد الثالث: الآيات من (178-283) 
في عرض شرائع هذا الدين تفصيلًا.
* المقصد الرابع: في آية واحدة 284 
ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع.
* الخاتمة: في آيتين اثنتين (285–286) 
وهي في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد، وبيان ما يرجى لهم. إنها كالبناء الشامخ الذي يبدأ فيه بإقامة الأساس من جذوره، ثم إقامة البنيان وتشييده ثم زركشته وتزيينه.
 
فهذا الترتيب للموضوعات في داخل السورة لهو كالحلقات المتشابكة يشدّ بعضها بعضًا ويؤدي كل موضوع إلى أخيه في تسلم رائق، يمهّد له ويبسط ضوءه رويدًا حتى يلقى بدره من الأعماق. ماذا لو جاء موضوع منها قبل الآخر؟! ما نرى إلا اختلال ميزان الفكر وتشتت الوجدان والشعور! وقوفًا مع سورة أخرى، هي سورة النور وهي مدنية وآياتها أربع وستون آية. وهي في الآداب الاجتماعية والتربية والنورانية التي تشع بنورها في البيت والأسرة والمجتمع. ويجري سياق السورة حول محورها الأصيل –التربية- في خمس أشواط [54]:
* الأول: يتضمن الإعلان الحاسم الذي تبدأ به، ويليه بيان حدّ الزنا، ثم بيان حدّ القذف، ثم حديث الإفك.
* الثاني: وسائل الوقاية من الجريمة وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية فيبدأ بآداب البيوت والاستئذان على أهلها والأمر بغض البصر والنهي عن إبداء الزينة، والحض على إنكاح الأيامى والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء.
* الثالث: يتوسّط مجموعة من الآداب التي تتضمّنها السورة فيربطها بنور الله، ويتحدّث عن أطهر البيوت، وفي الجانب المقابل الذين كفروا وأعمالهم. ثم يكشف عن فيوض الله في الآفاق.
* الرابع: يتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول الله ويصوّر أدب المؤمنين.
* الخامس: آداب الاستئذان والضيافة في محيط البيوت وآداب الجماعة المسلمة كلها كأسرة واحدة. 
 
فيعجب المتأمّل من هذا الترتيب المنطقي البديع الذي بدأ أولًا بتطهير المجتمع من الجريمة ووضع العقاب والزجر ليرتدع المجرم، وقدّم ذلك على عرض وسائل الوقاية لتتهيّأ النفس لاستقبال تلك الآداب الوقائية بنفس هادئة وتقبل على أساليبها بحب ممتزج بالخوف من الله، وهذان الموضوعان لازمان للدخول في الحديث عن آداب آخرى يربطها بنور الله ثم تصوير للآداب المفقودة في حق المنافقين فتقدم على تصوير آداب المؤمنين فبدأ من الأدنى للتنفير منه، ثم للأعلى ليشحذ الهمم وتنشط النفس وترغيبها بعد ترهيبها. يتقدّم تنظيم العلاقات الأسرية الصغيرة داخل البيوت، لأن ذلك هو النواة والأساس الذي يبنى عليه بعد ذلك تنظيم العلاقات بين الأسرة الكبيرة في المجتمع المسلم ككل. فيتقدّم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة النور، الآية: 58]، وهي الأسرة الصغيرة، على قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة النور، الآية: 62]، وهي الأسرة الكبيرة.
 
وفي وسط هذه الآداب تأتي استراحة قصيرة -إن صح التعبير- ليمضي السياق في عرض مشاهد الكون ومظاهر الوجود الجميل والتأمّل في تقلّب الليل والنهار وعرض مظاهر القدرة على الخلق والتنويع في أشكال الخلق وذلك في الآيات من (41–45) لتتوسط هذه الوقفة الكونية ما سبقها من آداب وتعاليم وما لحقها من آداب وتعاليم، فهذه السورة نموذج من ذلك التنسيق، لقد تضمّنت بعض الحدود إلى جانب الاستئذان على البيوت، وإلى جانبها جولة ضخمة في مجال الوجود، ثم عاد السياق يتحدث عن حسن أدب المسلمين في التحاكم إلى الله ورسوله وسوء أدب المنافقين إلى جانب وعد الله الحق للؤمنين بالاستخلاف والأمن والتمكين، وها هو ذا يعود إلى آداب الاستئذان في داخل البيوت إلى جانب الاستئذان من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وينظم علاقة الزيارة والطعام بين الأقارب والأصدقاء إلى جانب الأدب الواجب في خطاب الرسول ودعائه [55]
 
- رابعًا: التقديم والتأخير في المتشابه: 
قد تأتي بعض الآيات متشابهة في كلماتها ولكننا نجد كلمة قدمت في آية وأخرت في أخرى لسر بلاغي أودعه الله في السياق، وسوف نقف -بإذن الله وتوفيقه- مع بعض هذه النماذج القرآنية التي وردت عبر السور المختلفة. ومن ذلك قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 48]، {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 123]، فالآيتان من مشاهد القيامة وساحة القضاء الأعلى، وقد سُبقت الآيتان بآية تامة التشابه متحدة الكلمات وانتظامها، وهي قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة، الآية: 47]، {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة، الآية: 122]، وهذا التكرار للحثّ على التذكّر للنعمة والتحذير من الإعراض عن الله ورسوله، فاليهود أمّة جبلت على العناد والتّمرّد وذلك على الرغم من أنّهم أكثر الأمم رسلًا وأنبياء، وقدّم الشفاعة في السياق الأوّل آية (48) قطعًا لطمع من زعم أن آباءهم تشفع لهم، وأن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وأخّرها في الآية الأخرى (123) لأن التقدير في الآيتين معًا لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة، لأن النفع بعد القبول، وقدم العدل في الآية الأخرى ليكون لفظ القبول مقدّمًا فيها [56].
 
ومما يشدّ من أزر ذلك المعنى الذي يبرز قطع الأمل في تلك الشفاعة، أنه جاء بـ {يَوْمًا} على التنكير للتهويل ودفع النفس نحو الخوف والحذر، ونكر النفس مرتين للدلالة على العموم والشمول لكل نفس، وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع [57]، وقد جاء بالفعل {يُقْبَلُ} مع {شَفَاعَةٌ} لأنها محلّ القبول على سبيل الرحمة والرأفة، وجيء بالفعل {يُؤْخَذُ} مع {عَدْلٌ} لأن ذلك على سبيل الفداء [58]، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة، الآية: 58]، وقوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الأعراف، الآية: 161]، ففي الآية الأولى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ}، وفي الآية الثانية: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. وقف الزمخشري على هذا الاختلاف على استحياء ولم يشأ الدخول في غماره وأعماقه، فاكتفى بقوله: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله: {اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا} وبين قوله {فَكُلُوا} لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، وسواء قدّموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك الرغد لا يناقض إثباته [59]. والحق أن السياق اختلف فأدّى إلى معان بلاغية دقيقة، فقد جاء صدر الآية في السياق الأول بالفعل المبني للمعلوم بإثبات (نَا) لله تعالى على التعظيم فقال: {وَإِذْ قُلْنَا} فناسب ذلك المقام ذكر {رَغَدًا} على التنكير التفخيمي. ولما كان الدخول في قوله: {ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ} غير السكن في قوله: {اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ} لأن السكن يعني اللبث والإقامة والاطمئنان، فقد جاء في السياق الأول الفاء في {فَكُلُوا} والثاني {وَكُلُوا}. وقدّم {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} على قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} في سورة البقرة وأخّرها في الأعراف لأن السابق في هذه السورة {ادْخُلُوا} فبيّن كيفية الدخول. وفي هذه السورة (أي سورة البقرة) {وَسَنَزِيدُ} بواو، وفي الأعراف {سَنَزِيدُ} بغير واو، لأن اتصالها في هذه السورة أشد لاتفاق اللفظين. واختلفا في الأعراف فكان اللائق به {سَنَزِيدُ} فحذف الواو ليكون استئنافًا للكلام [60].
 
ومن التقديم في المتشابه قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة البقرة، الآية: 7]، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [سورة الجاثية، الآية: 23]. في آية البقرة جاء الحديث قبلها عن المتقين ثم الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم التي هي المضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما جاء في الحديث الشريف، فكان الكلام في هذه الآية على عمومه. أما في آية الجاثية فهي تتكلم عن خاصة بعينها تقع في فئة من الناس، يتّخذون العبادة بأهوائهم، ومن القراءات: (إلهه هواه) فينتقلون في عبادتهم من حجر إلى حجر أو غيره حسبما يتراءى لهم. فناسب ذلك تقديم الختم على السمع لأنه سمع التعقّل والهداية وهو أداة ووسيلة لنقل الفهم، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا} [سورة الأعراف، الآية: 179]، ومن ذلك قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [سورة القصص، الآية: 20]، وقوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [سورة يس، الآية: 20]. بداية نرى صدر الآية جاء بـ {جَاءَ} دون (أتى) لأن {جَاءَ} تحيط به معاني العلم واليقين وتحقق الوقوع والقصد [61]. وبالنظر إلى الآيتين نجد تقديم {رَجُلٌ} في الأولى وتأخير في الثانية لاختلاف المقام فيهما ففي الآية الأولى تقدم {رَجُلٌ} لتسليط الضوء عليه ولفت الذهن إليه وما يحمله من نبأ المؤامرة، بوصوله إلى موسى عليه السلام يتغير الموقف ويخرج موسى متخفيًا مترقّبًا. أما في الآية الثانية فالمقام يقتضي تسليط الضوء ولفت الانتباه إلى المدينة بصفة أساسية لا إلى الرجل، فتظهر المدينة على غفلتها وعدم إتباعها المرسلين ثم إرادة الرجل هدايتهم. فتأخر الرجل هنا يبين أنه لم يكن محتاجًا للسرعة والعجلة ومسابقة الزمن بالقدر العظيم الذي كان يحتاجه المقام الأول. ومن هنا يتبين بعد ما ذهب إليه الكرماني في قوله: "خصت في هذه السورة (أي القصص) بالتقديم لقوله قبله: فوجد فيها رجلين ثم قال {وَجَاءَ رَجُلٌ} فاكتفى بالنظر إلى التقديم على أساس ذكر الرجلين من قبل لا غير! 
 
ومن ذلك قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [سورة الأنعام، الآية: 70]، وقوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد، الآية: 20]، وقوله تعالى: {وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت، الآية: 64]. فآيتا الأنعام والحديد في معرض الحديث عن الدنيا وأحوالها، وفي تدرّج من الأدنى إلى الأعلى فاللعب أولى مراحل الطفولة، والتكاثر في الأموال والأولاد نهاية المطلب وقمة اعتلاء عروش الدنيا. أما آية الحديد فهي في معرض المقابلة بين الدنيا والآخرة، فالأولى لهو ولعب والثانية هي الحياة البالغة، وكان لأسلوب المقابلة هنا حسن التنسيق والإيقاع الجميل، وهي من جملة طرق العرض التي يلجأ إليها القرآن، وهي متكاملة متجانسة مع بقية الأساليب لأداء الأغراض والقيم التي يريدها المنهج القرآني، لكنها تعد من أبرز الطرق الواضحة في العرض، وفي الأداء البياني الذي يسعى إليه القرآن" [62]، وقال الكرماني: "بدأ بذكر اللهو لأنه في زمان الشباب، وهو أكثر من زمان اللعب وهو زمان الصبا" [63].
 
ومن ذلك قوله تعالى: {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [سورة المؤمنون، الآيات: 82-83]، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [سورة النمل، الآيات: 67-68]، بتأخير اسم الإشارة {هَـٰذَا} في الأولى، وتقديمه في الثانية ولعل ذلك راجع إلى التفصيل المذكور في آية المؤمنين الموت والتراب والعظام، فأغنى التفصيل عن تقديم اسم الإشارة، وهو لم يقع في آية النمل، وبقي أن نشير إلى أن الآيتين قد صدّرتا بالقول: {قَالُوا}. {وَقَالَ} إشارة إلى أنه زعم باطل ليس له رصيد من اليقين والحق، ثم يصوّر القرآن الكريم مدى اعتمال الانفعال في نفوسهم وإصرارهم على العناد وذلك عن طريق أسلوب القصر بالنفي والاستثناء وبالأداة {إِنْ} إيثار على (ما) مثلًا.
 
ومن ذلك قوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [سورة المؤمنين، الآية: 24]، وقوله: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [سورة المؤمنون، الآية: 33]، فقدّم {الَّذِينَ كَفَرُوا} على {مِن قَوْمِهِ} في الآية الأولى، وأخّر في الثانية، وذلك لاختلاف المقام وتباين السياق بينهما ففي الأولى صرّح بذكر الرسول فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ} [سورة المؤمنون، الآية: 23]، وكرّر ذكر القوم مرتين وأضاف {قَوْمِ} إلى ضمير نوح لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به، ولأنه واحد منهم وهم بين أبناء له وأنسباء، فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد [64]. بينما تقدّم ذكر {قَوْمِهِ} على {الَّذِينَ كَفَرُوا} في الثانية لأنها سبقت بذكر الرسول المرسل منكرًا فقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} [سورة المؤمنون، الآية: 32]، وهم قوم هود، فاحتيج إلى تقديم قومه الذين لم يذكروا صراحة ولو مرة واحدة في الآية (32). وربما كان تقديم {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا} لاختصاص القول بهم وشموله لهم وبيان أثر قولهم في قومه وفي الناس كافة، إذ لم يؤمن معه إلا قليل كما جاء صريحًا في القرآن: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [سورة هود، الآية: 40]. وجاء تقديم {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ} لاختصاص القول بقومه -قوم عاد- وبيان أثرهم في الناس. والله تعالى أعلم.
 
الخاتمة: 
إن القرآن الكريم معين لا ينضب وجنة فيحاء لا ينقضي ثمرها، بل يظل ملء السمع والبصر، يملك الفؤاد ويستولى على العقل والوجدان. وإننا بعد هذا التطوّف الّذي منّ به الرحمن نذكر من النظرات ما يأتي:
 
أولًا: إن الإعجاز البلاغي لأسلوب التقديم والتأخير إعجاز فيّاض عظيم التدفّق لا يقع في حصر. وسبيل التعرّض لفيوضاته وتلمّس أسراره لا يقف عند حد في كلمة أو جملة، بل يشهد السياق في مجمله بستانًا مورقًا يانع الثمار والأزهار، لا تكاد تمد يدًا لقطف ثمرة إلا وتجذبك الأخرى والأخرى فلا تستطيع الفراغ حتى تأتي على البستان كلّه.
 
ثانيًا: الألفاظ القرآنية لها دلالتها في سياق الجملة فلا يمكن أن يرادف لفظٌ لفظًا آخر فيتساوى معه في المعنى تمام المساواة، بل إن الكلمة ذاتها لتتكرر في أكثر من سياق لتدلّ على معنى آخر مغاير في كل سياق، فإذا نظرنا إلى دلالة الكلمة المختارة في ظل تقديمها أدّى ذلك إلى إبراز المعنى في قوّة وجلاء، وساعد على تصوير المشهد في تدفّق وحياة.
 
ثالثًا: كان لأسلوب التقديم سمة أسلوبية بالغة الأثر في معرفة خواص تراكيب الكلام وكشف خبايا النفس والنفوذ إلى أعماقها وتصوير شخصيات المشهد في صورة حضورية تبيّن ما عليها من فرح أو ترح أو اضطراب أو توتر أو إيمان أو نفاق أو نحو ذلك.
 
رابعًا: كان لأسلوب التقديم والتأخير سمة التغلغل والانتشار في كافّة سياقات القرآن –تقريبًا- وكان له دور بارز في آيات الأحكام وأساليب الحوار لا يقلّ بحال عن دوره في الآيات المكّيّة وما حملته من مشاهد القصص أو الآخرة. 
 
خامسًا: استطاع أسلوب التقديم أن يخاطب العقل والوجدان في آن معًا، وكان له القدرة على حمل السامع أو القارئ على المشاركة في تفعيل الموقف القرآني وما يبثّه من معان وآداب رفيعة، فنشّط الخيال وحرّك الأذهان والعقول. 
 
سادسًا: لا يقف التقديم والتأخير عند حد جزيئات اللغة من كلمات وجمل يقدّم بعضها على بعض وإنما يمتدّ ليشمل الآيات والموضوعات الكبرى التي جاء في ترتيبها توقيفًا من عند الله تعالى بإجماع العلماء، وما كان لآية أن تسبق أختها أو موضوع هو سابق لأخيه إلا لنكتة بلاغية ودلالة معنوية يثبتها السياق في مضمونه وبين طياته.
 
الهوامش:
 
المصادر والمراجع:
 
1- ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت 1995.
2- الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن – تحقيق وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقية – القاهرة.
3- البيضاوي – تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب الخفاجي – المكتبة الإسلامية – تركيا.
4- الحسن بن عثمان – خلاصة المعاني – تحقيق د. عبد القادر حسين – دار الاعتصام – 1993.
5- الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – دار التراث – القاهرة.
6- الزمخشري – الكشاف – تحقيق مصطفى حسين – ط3 – دار الريّان – القاهرة – 1987.
7- سيد قطب – في ظلال القرآن – ط25 – دار الشروق – القاهرة – 1996.
8- السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – المكتبة الثقافية – بيروت – 1973.
9- الشوكاني – فتح القدير – تحقيق د. عبد الرحمن عميرة – ط2 – دار الوفاء – المنصورة – 1997.
10- د. عائشة عبد الرحمن – الإعجاز البياني للقرآن – ط2 – دار المعارف – مصر – 1987.
11- ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – الجماهيرية العربية الليبية.
12- عباس حسن – النحو الوافي – ط12 – دار المعارف – مصر – 1995.
13- د. عبد العظيم المطعنى – خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية – ط1 – مكتبة وهبة القاهرة – 1992.
14- عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز – تحقيق محمد خفاجي – مكتبة القاهرة بمصر.
15- عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – ط1 – دار الفكر العربي – القاهرة – 1964.
16- عودة الله القيسي – سر الإعجاز – ط1-دار البشير –عمان (الأردن) – 1996.
17- د.بن عيسى الطاهر – المقابلة في القرآن الكريم- ط1-دار عمار – عمان الأردن -1- 2000.
18- الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق أحمد خلف الله – ط2- دار الوفاء بالمنصورة 1998.
19- د.محمد درّاز – النبأ العظيم –ط7- دار القلم – الكويت – 1993.
20- د.محمد كريم الكواز – الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم –ط1- مكتب الإعلام والنشر -1997.
21- د. محمد محمد أبو موسى – خصائص التراكيب – ط4- مكتبة وهبة – القاهرة – 1996.
22- محمد المنجد – الترادف في القرآن الكريم –ط1- دار الفكر – دمشق – 1997.
23- د.محمد موسى – التنكير وأثره البلاغي في سياق القرآن – ط1- مطبعة الأمل بالمنصورة – 2001.
24- مصطفى صادق الرافعي – إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – ط4- مطبعة الاستقامة القاهرة – 1945.
25- ابن منظور – لسان العرب – بإشراف الأستاذ علي مهنا – ط1- دار الكتب العلمية – بيروت – 1993.
المقالة السابقة
من بلاغة القرآن الكريم في المدح والذم
المقالة التالية
اللفظ المشترك في القرآن سر من أسراره البلاغية
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.