• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

من بلاغة القرآن الكريم في المدح والذم

هواري طالبي

  • التصنيف: بلاغة القرآن
  • تاريخ النشر: 14 ربيع الأول 1436 (5‏/1‏/2015)
  • آخر تحديث: 11 شوال 1436
عدد الزيارات: 14,861
QR Code
6 0
إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق الدراسة والبحث والتأمل، ومن أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، وليس في الوجود كلام أبلغ من كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.
 
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت، الآيات: 41-42]، وقال أيضا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 88]، وقال: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 138]، وعلم البلاغة هو السبيل إلى إثبات هذا التفوق والإعجاز للنظم القرآني على سائر ما جادت به قرائح الفطاحل من الخطباء والشعراء وغيرهم، وقد اهتم العلماء قديمًا وحديثًا بدراسة بلاغة القرآن، والكشف عن أوجه الإعجاز فيه من أجل أن تظهر للعالمين معجزة القرآن الخالدة؛ فتقوم الحجة على الجاهل، وتزول الشبهة عن المبطل، ويطمئن قلب المؤمن. إن إعجاز القرآن الكريم يتمثل في قوة نظمه العجيب، وهو ما ذهب إليه منظِّر علم البلاغة الإمام عبد القاهر الجرجاني حيث قال: "بأن النظم البليغ هو أن يوضع الكلام وضْعه الذي يقتضيه علم النحو، والعمل وفق قوانينه وأصوله، ومعرفة مناهجه فلا يُزاغ عنها، ولا يُخَلَّ برسومه التي رُسمت في وجوه كل باب وفروقه، والنظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ويعرف فيما حقه الوصل، وموضع الواومن موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع (ثم)، وموضع "لكن" من موضع "بل"، ومعرفة كيفية التصرّف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام، وفي الحذف والتكرار والإضمار، فيوضع كلاًّ من ذلك مكانَه، ويستعمل على الصحة وعلى ما ينبغي" (دلائل الإعجاز، ص:95،94).
 
ولاشك أن أساليب القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، وعليه فإن صور بلاغته تتعدد بتعدد تلك الأساليب وتنوعها، وقد اخترت منها أسلوب المدح والذمّ لأستجلي بعض أوجه بلاغته في القرآن الكريم. إن أساليب المدح والذم في القرآن كثيرة ومتنوعة، منها ما هو صريح ومنها ما هو ضمني، وليس ما جاء منها ضمنياً بأبلغ مما هو صريح، بل المعتبر في هذا هو مدى إثبات معاني الكلم لما تُثبَت له ويُخبَر بها عنه. وبالتتبع للنصوص القرآنية المتعلقة بموضع المدح والذم، وبالنظر في أقوال العلماء والمفسرين فيها نجد أن مناط الحسن والبراعة بها راجع إلى مجموعة من العناصر تتمثل فيما يلي:
(1) تكرار اللفظ من أجل المبالغة في المدح أوالذمّ قال تعالى: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [سورة الحج، الآية: 78].
 ولم يقل: نعم المولى والنصير مع ما فيها من الإيجاز، وفائدة التكرار هنا هي إرادة المبالغة والإطناب في المدح والزيادة فيه وتقويته، وكذلك الأمر في الذمّ، فحين ذم الله اليهود بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة آل عمران، الآية: 21]، كرر لفظ (يقتلون) وذلك من أجل المبالغة في تشنيع الجرم الذي ارتكبوه، واستفظاع الذنب الذي اكتسبوه، ولإشعار المخاطب أن اليهود قمم همج، مستكبرون على الحق لا يحبون العدل والقسط، ومن أمثلة التكرار للتوبيخ، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف، الآيات: 2-3].
 
 هذه الآية في ذمّ الذين يخالف قولُهم فعلَهم وفعلُهم قولَهم، ومن أجل المبالغة في تقبيح هذه الصفة التي تستوجب غضب الله ومقته كرر قوله: {مَا لَا تَفْعَلُونَ}، قال ابن المنيِّر:"...وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس، وهوتكرار قوله: {مَا لَا تَفْعَلُونَ}، وهولفظ واحد في كلام واحد، ومن فوائد التكرار:التهويل والإعظام، وإلا فقد كان الكلام مستقيمًا لو قيل:كبر مقتا عند الله ذلك، فما إعادته هنا إلا لمكان هذه الفائدة الثانية والله أعلم" (حاشية ابن المنير على تفسير الكشاف،مج4، ص:523).
 
(2) التوكيد للمبالغة في المدح أوالذم يستخدم أسلوب التوكيد -غالبًا- حينما يكون المخاطب منكرًا، أومنزلاً منزلة المنكر، وعندما يمدح الله تعالى نبيه الكريم بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم، الآية: 4]، أوغيره من الأنبياء بقوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الصافات، الآية: 123]، وقوله: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الصافات، الآية: 133]، أو يذمّ بعض أعدائه، كما جاء في ذمّ الوليد بن المغيرة: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا} [سورة المدثر، الآية: 16]، فالأنبياء لا ينكرون أنهم مرسلون أو أنهم على خلق عظيم، والوليد لا ينكر أنه معاند للحق بعدما تبين، فلم يبق إلا أن يقال: جيء بالتوكيد من أجل المبالغة في المدح أو الذم والتأثير على المخاطب، ولعلّ السّر في استخدام هذا الأسلوب في المدح والذم هو أن المدح والذم إنما يحسن إذا زال الشك من السامع فيما يمدح به أويذم.
 
 قال الجرجاني: "وذلك أن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به، ويبادعهم من الشبهة، وكذلك المفتخر" (دلائل الإعجاز، ص:138).
 
(3) استخدام اللفظ الدال على المبالغة: استخدمت في القرآن الكريم ألفاظ مقام المدح أوالذم أضْفتْ عليهما قوة في المعنى وزيادة في التأثير، ومن ذلك قوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة المائدة، الآية: 63]، قال الزمخشري: "... لأن كل عامل لا يسمى صانعًا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مُواقع المعصية مع الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالا من المواقع" (الكشاف،مج1، ص:654).
 
 إن هذه الآية تذمّ العلماء الذين يتهاونون في إنكار المنكر ذمًا أبلغ من ذم المواقعين له أنفسهم، حيث عبر في الآية الأخرى في ذم المواقعين للمنكر بلفظ العمل فقال تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة المائدة، الآية: 62]، وبالنسبة للعلماء عبر بلفظ الصناعة فجعل ترك الإنكار ليس مجرد عمل، بل صناعة للعلماء، وكأنهم بذلك تمكنوا في ترك المنكر وتدربوا عليه حتى صار وصفًا لهم، ولهذا كانت هذه الآية من أشد الآيات في القرآن ذمًا للعلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الطبري: "وكان العلماء يقولون:ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها" (الطبري،مج4،ج2،ص:93).
 
 لا جرم أن هذه الآية مما يقُذّ السمع وينعى على العلماء توانيهم. وانظر -رحمك الله- إلى المبالغة في الذم لتلك المقالة الشنعاء التي تفوّه بها من لم يقدر الله حق قدره بأن الله اتخذ ولدًا -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- قال تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [سورة الكهف، الآية: 5]، فوصف الكلمة بالخروج وفيه مبالغة ظاهرة حيث جعلها كالشيء له جرم يخرج، وفي هذا استعظام لقبح تلك الكلمة حتى كأنها من عظمها وهولها فارقت جنس الكلام وصارت من جنس الأجسام. قال الزمخشري: "{تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} صلة لكلمة تفيد استعظامًا لاجتراهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم" (الكشاف،مج3،ص:354).
 
(4) أسلوب الحصر للمبالغة في المدح أوالذم من أمثلته قوله تعالى على لسان النسوة اللاتي خرج عليهن يوسف عليه السلام فانبهرن بجماله فقلن في عجب: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [سورة يوسف، الآية: 31]، ولم يقلن: هذا ملك كريم على سبيل التشبيه البليغ، وذلك أنهن أوهمن السامع أن يوسف عليه السلام ملك على الحقيقة لا على التشبيه، فهذه هي فائدة الحصر هنا، فيوسف عليه السلام لا يكون إلا ملكًا كريمًا ولا يكون شيئًا آخر، فكأنه خلصت له صفات الملكية حتى لم يبق له من صفات البشرية شيء، وهذه -بلا شك- مبالغة عظيمة في مدحه بالجمال والطهر والعفاف.
 
(5) التنكير للتفخيم إن التنكير نوع من الإبهام يكسب المدح والذم قوة وفخامة، ومن أمثلته قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة البقرة، الآية: 5]، قال القنوجي: "والإبهام المفهوم من التنكير في (هدى) لكمال تفخيمه، أي:على هدى أيّ هدى، لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره" (فتح البيان:مج1،ص:85)، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [سورة الجاثية، الآية: 11]. قال الزمخشري: "(هذا) إشارة إلى القرآن...، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل،تريد: كامل في الرجولية، وأّيما رجل" (الكشاف،مج4،ص:287).
 
(6) التشبيه والتمثيل والتخييل قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوشِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوتَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف، الآيات: 175-176]. قال الشيخ مصطفى المراغي: "وإن جاء التمثيل في باب الذم كان وقعه أشد وحده أحد" (كتاب علوم البلاغة،ص:208)، في هذه الآية مثّل الله تعالى حال ذلك الحبر اليهودي الذي آتاه الله العلم فبدل أن يستفيد منه ويعمل به تركه وانسلخ منه واتبع هواه فلم يعد ينفع فيه وعظ أونصح، فصار كالكلب اللاهث في جميع أحواله، وفي هذا تشبيه للأعلى بالأدنى، وهوجيّد في باب الذمّ. قال ابن حجّة الحموي: "ومن الشروط اللازمة في التشبيه أن يشبِّه البليغ الأدون بالأعلى إذا المدح، اللهم إلا إذا أراد الهجو فالبلاغة أن يشبه الأعلى بالأدنى" (خزانة الأدب،مج1،ص:383)، ومن استعمال أسلوب التمثيل في المدح قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [سورة المطففين، الآية: 26]. فإن أهل الجنة يسقون من رحيق مختوم، وهو من ألذ الأشربة، ومعنى ختامه مسك، أي أن الختام الذي ختم به عن أن يداخله شيء يفسد لذته أوطعمه، أو أن الختام هو آخر الرحيق وحثالته، وأيا كان المعنى فلفظ المسك إما أن يكون مستعملاً على الحقيقة، أو من باب التمثيل، بمعنى أن ختامه طيب كطيب المسك، وفي هذا من المبالغة في المدح مع الإيجاز ما فيه، والعرب من شأنها أن تشبه الشيء الطيب بالمسك. قال الجرجاني: "وإذا وصفوا بغاية الطيب قالوا: "هو مسك" (دلائل الإعجاز، ص:389)، ومن أسلوب التخييل ما جاء من تشبيه المجهول بالمجهول، كما في قوله تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [سورة الصافات، الآيات: 62-65].
 
شجرة الزقوم شجرة تنبت في وسط النار، وهي غيب عنا، وطلعها كأنه رؤوس شياطين، والشياطين غيب أيضًا، فإذا كان الغرض من التشبيه الإيضاح والبيان فكيف يشبه المجهول بالمجهول؟ والغيب بالغيب؟! وذلك في قانون البلاغة نقص وعيب، والجواب عنه يكشف عن سر من أسرار البلاغة القرآنية عجيب، ولا يدع مجالاً لريب مريب. إن الله شبه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه مبهم بمبهم، وهل يفسر الإبهامَ الإبهامُ؟! والجواب هو أن في ذلك الإبهام عين البيان؛ لأن الله لم يشأ أن يحدد البشاعة في شيء واحد نعرفه، ومعلوم أن القبح والبشاعة مما تختلف فيه الأنظار، فقد يكون الشيء قبيحًا عند زيد غير قبيح عند عمرو، فلما قال تعالى: {رُءُوسُ الشَياطِينٍ} فإن الناس سيتوهمونها على اختلاف مذاهبهم، كلّ سيتوهمها بالبشاعة التي تفزعه، وعليه ستتعدد ألوان البشاعة، وهذا عين البيان، قال الزمخشري: "فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله" (الكشاف،مج4،ص:47،46).
 
هذا غيض من فيض وقطرة من مطرة وما ذكر أكثر بكثير مما لم يذكر، ولعل فيما ذكر غُنية عما لم يذكر، وحسبنا بالعقد ما أحاط بالعنق وبالسوار ما أحاط بالمعصم، والقرآن من أوله إلى آخره بمختلف أساليبه متميز بالقوة في البيان بما يعجز عن الإتيان بمثله إنس أو جانّ، لقد عجز عن مضاهاته العرب البلغاء والجهابذة الفصحاء من الشعراء والخطباء، فقد أدهشهم نظمه العجيب وأخرس ألسنتهم أسلوبه الغريب، حيث استمرت البلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارًا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، فهو الكتاب الكامل الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ولاغرو في ذلك، فالكمال لله وحده، لقد صار هذا القرآن إلى أقصى غايات البلاغة والفصاحة، وانتهى إلى أبعد نهايات الحسن والملاحة، ترى انسجاما فيه بين لألفاظه ومعانيه، ولله در القائل فيه: 
 
تزين معانيه ألفاظَه * * * وألفاظُه زائنات المعاني 
 
إن كتابًا هذا شأنه لحري بالدراسة والنظر والغوص في أعماقه واستخراج الدرر، ومن حق لغتنا العربية علينا أن ندرسها في ضوئه وتحت مظلته. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليمًا كثيرًا.
المقالة السابقة
القرآن الكريم (النشأة، التعريف، كيفية النزول، حفظه، كتابته، جمعه، إعجازه، المكي والمدني)
المقالة التالية
الإعجاز البلاغي في التقديم والتأخير
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.