• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

صفات عباد الرحمن

ناصر العاهمي

عدد الزيارات: 29,827
QR Code
32 8
إن الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها هي عبادة الله تعالى قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، الآية: 56] [1]، فكان من المكلّفين صنف قام بهذه الغاية حق القيام، فاستحقّ أن يوصفوا بأنهم عباد الرحمن، فأضافهم الله لنفسه؛ تشريفًا لهم، ورفعًا لمكانتهم، ووعدهم دار كرامته يوم يلقونه، وبيَّن ربنا سبحانه صفاتهم لمن أراد أن يسلك سبيلهم في سورة الفرقان وهي:
الصفة الأولى: التواضع: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [سورة الفرقان، الآية: 63] [2].
 
يقول ابن كثير: "{الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْنًا} أي: بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، كقوله تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [سورة الإسراء، الآية: 37] [3]، فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر" [4].
 
والهون: الرفق واللين أي: يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر، فلا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا، فهم ساكنون متواضعون لله ولخلقه [5].
 
وهذا الخلق الكريم سبب للرفعة عند الله وعند الناس، ففي حديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» [6].
 
الصفة الثانية: الحلم: قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 63] [7]، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون، ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا، فلعباد الرحمن أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يسبق حلمه جهلة، ولا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلمًا [8].
 
الصفة الثالثة: التهجد قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 64] [9].   
 
فعباد الرحمن لا يبيتون لاهين غافلين عن ذكر ربهم، بل يحيون ليلهم في طاعته وعبادته، كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [سورة الذاريات، الآيات: 17-18] [10]، وقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [سورة السجدة، الآية: 16] [11]، وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [سورة الزمر، الآية: 9] [12] [13].
 
وللبيات حدّ أدنى يستطيعه كل من أراد الله به خيرًا بينه ترجمان القرآن عند تفسير هذه الآية فقال: "من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا وقائمًا" [14].
 
الصفة الرابعة: الخوف من عذاب الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [سورة الفرقان، الآيات: 65-66] [15]، فهم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله، وهذا الخوف منهم عن علم ودراية، ولذلك علَّلوه بأنه عذاب لازم لصاحبه غير مفارق له [16].
 
الصفة الخامسة: التوسُّط في الإنفاق؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 67] [17].  
 
فعباد الرحمن ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [سورة الإسراء، الآية: 29] [18] [19].
 
الصفة السادسة: التوحيد: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [سورة الفرقان، الآية: 68] [20]، وفضائل التوحيد كثيرة، ومزاياه جليلة، ولو لم يكن فيه إلا أن من كان موحدًا فمأواه الجنة لكفى، ففي حديث أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» [21].
 
الصفة السابعة: التنزُّه عن سفك الدماء، قال تعالى: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الفرقان، الآية: 68] [22]، فعباد الرحمن يعلمون حرمة النفس المعصومة، فتجدهم أبعد الناس عن سفك الدماء بغير حق. 
 
الصفة الثامنة: حفظ الفرج عما لا يحل: قال تعالى: {وَلَا يَزْنُونَ} [سورة الفرقان، الآية: 68] [23]، فهم يعلمون قباحة هذه الخصلة، وفحشها فيتنزهون عنها، بل وعن كل ما يؤدي إليها من نظر محرم، أو خلوة.
 
الصفة التاسعة: عدم شهود الزور: قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [سورة الفرقان، الآية: 72] [24]، فمن صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، ولكن ما هو معنى يشهدون هنا: ذكر المفسّرون فيها قولين:
القول الأول: أنها بمعنى الحضور، أي: فلا يحضرون، ولأصحاب هذا القول في الزور أقوال: قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل، وقيل: اللغو والغناء. وقيل: أعياد المشركين.
القول الثاني: أن المراد شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره. ولكن دلالة السياق تقتضي ترجيح القول الأول، وممن رجح ذلك الحافظ ابن كثير [25].
 
الصفة العاشرة: الإعراض عن اللغو؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 72] [26]، يقول العلامة السعدي: "{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ}، وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم {مَرُّوا كِرَامًا} أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا أن الخوض فيه وإن كان لا إثم فيه، فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربأوا بأنفسهم عنه، وفي قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه" [27].
 
الصفة الحادية عشرة: قبول الموعظة: قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [سورة الفرقان، الآية: 72] [28].
 
فمن صفات هؤلاء أنهم إذا ذكروا بآيات الله لم يقابلوها بالإعراض عنها والصمم عن سماعها، وصرف النظر والقلوب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها، ولم يصدق، وإنما حالهم فيها وعند سماعها كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [سورة السجدة، الآية: 15] [29]، يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانًا سامعة وقلوبًا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها إيقانهم، وتحدث لهم نشاطًا، ويفرحون بها سرورًا واغتباطًا [30].
 
الصفة الثانية عشرة: الابتهال إلى الله: قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 74] [31].
 
فهم يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. ولم يريدوا بذلك الصباحة والجمال، ولا أقر لعين المسلم من أن يرى ولده وزوجه مطيعًا لله عز وجل.
 
ويسألونه سبحانه أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير، هداة مهتدين دعاة إلى الخير، يحبون أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا [32].
 
تلك هي صفات عباد الرحمن، فما هو جزاء من حقق تلك الصفات؟!
يبينه سبحانه بقوله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [سورة الفرقان، الآيات: 75-76] [33].
 
فهؤلاء المتصفون بهذه يجزون يوم القيامة الجنة، بصبرهم على القيام بتلك الخصال، ويلقون فيها التحية  والإكرام، التوقير والاحترام، ويخلدون فيها بلا موت ولا سفر، ولا تحول [34].
 
 

 

المقالة السابقة
أبي بن كعب الأنصاري
المقالة التالية
زيد بن ثابت الأنصاري
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.